مايسطرون
2022-07-23

التسامح وآفاق السلم الأهلي


عـديـدة هـي المـفـردات والمـصـطـلـحـات المـتـداولـة الـيـوم, الـتـي تحـتـاج إلـــى تحـــديـــد دقـــيـــق لمـــعـــانـــيـــهـــا ومـــدالـــيـــلـــهـــا. وذلـــك لأن اســـتـــخـــدام هـــذه المــصــطــلــحــات دون ضــبــط المــعــنــى الحــقــيــقــي لــهــا, يــســاهــم ف تــشــويــه هــذا المــصــطــلــح عــلــى مــســتــوى المــضــمــون, كــمــا أنــه يــجــعــلــه عــرضــة لــلــتــوظــيــف الأيـدلـوجـي المـتـعـسـف. لـذلـك فـإن تحـديـد مـعـنـى المـصـطـلـحـات والمـفـردات
المتداولة, يساهم ف خلق الوعي الاجتماعي السليم بها..
ومـن هـذه المـصـطـلـحـات الـتـي تحـتـاج إلـى تحـديـد مـعـنـاهـا الـدقـيـق وضـبـط مـضـمـونـهـا الـفـلـسـفـي والأخـلاقـي والاجـتـمـاعـي, مـصـطـلـح الـتـسـامـح.. حـيـث أن هـذا المـصـطـلـح مـتـداول الـيـوم ف كـل الـبـيـئـات الأيـدلـوجـيـة, ويـتـم الـتـعـامـل مـع هـذه المـقـولـة ولـوازمـهـا الـثـقـافـيـة والـسـيـاسـيـة, بـاعـتـبـارهـا ثـابـتـة مـن ثـوابـت المجـتـمـعـات المـتـقـدمـة.. لـذلـك وبـعـيـداً عـن المـضـاربـات الـفـكـريـة
1
مفتتح :
والــتــوظــيــفــات الأيــدلــوجــيــة المــتــعــســفــة, نــحــن بــحــاجــة إلــى ضــبــط المــعــنــى الجـوهـري لـهـذا المـصـطـلـح, وتحـديـد مـضـمـونـه وجـذوره الـفـلـسـفـيـة والمـعـرفـيـة, وبيان موقعه ف سلم القيم والمبادئ الاجتماعية.
ولاشــك أن إصــرار مــخــتــلــف المــواقــع الأيــدلــوجــيــة عــلــى اســتــخــدام هــذا المـــصـــطـــلـــح دلـــيـــل عـــلـــى غـــيـــاب مـــضـــمـــونـــه عـــن واقـــع الـــعـــالمـــي الـــعـــربـــي والإسـلامـي.. إذ أن الـعـديـد مـن الـظـواهـر الـسـيـاسـيـة والـثـقـافـيـة والمجـتـمـعـيـة, تــؤكــد بــشــكــل أو بــآخــر عــلــى خــلــو الــســاحــة الــعــربــيــة والإســلامــيــة مــن
مقتضيات ولوازم هذه القيمة..
ف معنى التسامح :
وقـبـل الـدخـول ف مـعـنـى الـتـسـامـح ف الـفـضـاء الـعربـي والإسـلامـي, مـن الأهـمـيـة إلـقـاء نـظـرة سـريـعـة عـلـى حـركـة تـطـور هـذا المـصـطـلـح ف الـفـضـاء المــعــرف والــســيــاســي الــغــربــي.. فــفــي الــتــجــربــة الــغــربــيــة ارتــبــطــت مــقــولــة الـتـسـامـح بـالمـسـألـة الديـنـيـة, إذا اعـتـبـرت مـن قـبـل الـفـيـلـسـوف )جـون لـوك( بـوصـفـهـا الحـل الـعـقـلانـي الـوحـيـد لمـشـكـلـة الخـلافـات الـتـي نـشـأت داخـل المـسـيـحـيـة, الـتـي هـي الـديـن الـرئـيـسـي ف الـثـقـافـة الـغـربـيـة. ومـع تـطـور الحـيـاة الـسـيـاسـيـة والمجـتـمـعـيـة ف الـغـرب, بـدأ يـنـظـر إلـى الـتـسـامـح عـلـى حـد تـعـبـير )سـمـيـر الخـلـيـل( ) 1 ( بـاعـتـبـاره الـعـمـود الـفـقـري لـلـيـبـرالـيـة بـوصـف هـذه الأخـيـرة فـلـسـفـة عـامـة لـلـجـمـاعـة الـبـشـريـة, كـمـا بـوصـفـهـا شـعـوراً يـحـس تجـاه الجماعات الأخرى. ف الغرب اليوم ينظر إلى التسامح على أنـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه سـيـاسـي وعـرقـي وإثـنـي وقـومـي واجـتـمـاعـي وجـنـسـي. وهـو يـتـخـذ بـصـورة عـامـة شـكـل تحـمـل مـتـنـام, يـشـمـل حـيـزاً مـتـزايـد الـفـسـاحـة لـلـفـروقـات بـي
الكائنات البشرية.
2
وبـالـتـالـي فـإن الـتـسـامـح وفـق الـتـجربـة الـغـربـيـة والـفـكـر الـغـربـي المـعـاصـر, هـي الإجــابــة المــطــلــوبــة الــغــربــيــة آنــذاك.. فــالاخــتــلافــات قــادت ف فــتــرة مــن الـفـتـرات إلـى الـتـعـصـب والانـكـفـاء والـعـزلـة, ودفـع المجـتـمـع الـغـربـي ثـمـن
ذلك..
وف إطـار الـبـحـث عـن حـلـول فـلـسـفـيـة ومـعـرفـيـة ومـجـتـمـعـيـة لـلاخـتـلافـات التي كانت تعصف بالمجتمعات الغربية, ثم نحت وبلورة مفهوم التسامـح كـإجـابـة بـديـلـة لـلاخـتـلافـات الـعـقـديـة والـسـيـاسـيـة.. فـالاخـتـلافـات تـقـتـضـي الـتـسـامـح وهـو مـسـؤولـيـة حـضـاريـة وواحـد مـن حـقـوق الإنـسـان. فـحـيـنـمـا تــســود الــكــراهــيــة لأســبــاب وعــوامــل ديــنــيــة أو ســيــاســيــة أو اجــتــمــاعــيــة أو اقـتـصـاديـة, يـكـون الـتـسـامـح. هـو الحـل الـذي تـبـرزه الـتـجـربـة الـغـربـيـة لـلـتـعـامـل مــع دوافــع الــكــراهــيــة.. وعــلــى ضــوء ذلــك تــكــون قــيــمــة الــتــســامــح, هــي لمـعـالجـة مـشـاكـل الاخـتلافـات الإنـسـانـيـة, الـتـي قـد تـقـود إلـى شـيـوع ظـاهـرة الكراهية والعنف, وبالتالي فإن التسامح فضيلة أخــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــلاقية, وضرورة سـيـاسـيـة ومـجـتـمـعـيـة, وسـبـيـل لـضـبـط الاخـتـلافـات وإدارتـهـا. وف الـدائـرة الإســلامــيــة لــم أجــد مــن خــلال بــحــثــي ف الــنــصــوص الإســلامــيــة مــفــردة )الــتــســامــح(, وإنمــا المــوجــود بــعــض المــفــردات الأخــرى الــتــي تــقــتــرب ف المضمون من مفردة التسامح.. ففي النصوص الإســــــــــــــــــــــــــــــــــــلامية استخدام لـلـمـفـردات الـتـالـيـة )المـداراة – الـرفـق – الـسـمـاحـة – الـيـسـر والـتـيـسـيـر( وكـلـهـا مـفـردات تـتـقـارب ف مـضـمـونـهـا وجـوهـرهـا مـن المـضـمـون المـتـداول لمـصـطـلـح الـتـسـامـح.. الـذي يـعـنـي عـلـى المـسـتـوى الـفـعـلـي التـولـيـف بـي الاعـتـراض والـقـبـول.. فـلـيـس كـل مـا تـرفـضـه عـقـلـيـاً أو تـنـاقـضـه مـعـتـقـديـاً, تمـارس بـحـقـه الـقـطـيـعـة والحـرب, وإنمـا المـطـلـوب الـتـسـامـح, الـذي يـحـتـضـن ف جـوهـره
الاعتراض والقبول ف آن واحد..
3
ولـهـذه الـقـيـمـة ف الـتـجـربـة الإنـسـانـيـة, جـذور فـلـسـفـيـة ومـعرفـيـة, هـي الـتـي تـؤسـس لـهـذه الـضـرورة الاجـتـمـاعـيـة. وبـإمـكـانـنـا أن نـحـدد الجـذور الـفـلـسـفـيـة والمعرفية لمفهوم التسامح ف النقاط التالية:
1- يـعـتـرف الإسـلام بـالحـقـوق الـشـخـصـيـة لـكـل فـرد مـن أفـراد المجـتـمـع, ولا يـجـيـز أي ممـارسـة تـفـضـي إلـى انـتـهـاك هـذه الحـقـوق والخـصـوصـيـات.. ولا ريـب أنـه يـتـرتـب عـلـى ذلـك عـلـى الـصـعـيـد الـواقـعـي, الـكـثـيـر مـن نـقـاط الاخــتــلاف والــتــمــايــز بــي الــبــشــر, ولــكــن هــذا الاخــتــلاف لا يــؤســس لـلـقـطـيـعـة والجـفـاء والـتـبـاعـد, وإنمـا يـؤسـس لـلـمـداراة والـتـسـامـح مـع المخـتـلـف, لا بمـعـنـى الاسـتـهـتـار بـالـقـيـم أو الـفـرار مـن المـسـؤولـيـة, وإنمـا بمـعـنـى الـرفـق
والمداراة, وتضمي مقولة الهداية معنى المحبة والإشفاق.
فــالــتــســامــح لا يــعــنــي بــأي حــال مــن الأحــوال, الــتــنــازل عــن المــعــتــقــد أو الخـضـوع لمـبـدأ المـسـاومـة والـتـنـازل, وإنمـا يـعـنـي الـقـبـول بـالآخـر والـتـعـامـل مـعـه على أسس العدالة والمساواة بصرف النظر عن أفكاره وقناعاته الأخرى.
2- إن الحـقـيـقـة الـكـامـلـة والـنـاجـزة, لا يمـكـن الـوصـول إلـيـهـا دفـعـة واحـدة, وإنمـا هـي بـحـاجـة إلـى فـعـل تـراكـمـي يـسـتـفـيـد مـن كـل الـعـقـول والجـهـود والـطـاقـات الإنـسـانـيـة. لذلـك مـن الأخـطـاء الـفـادحـة والـقـاتـلـة الـتـعـامـل مـع الـقـنـاعـات الإنـسـانـيـة بـوصـفـهـا حـقـائـق جزمـيـة ومـطـلـقـة. وذلـك لأن هـذا الـتـعـامـل, هـو الـذي يـؤسـس لـلـدوغـمـائـيـة الـتـي تـرى ف قـنـاعـتـهـا الحـقـيـقـيـة المـطـلـقـة, فـتـمـارس عـلـى ضـوء ذلـك الـتـشـدد والـتـطـرف عـلـى قـاعـدة امـتـلاك
الحقيقة المطلقة.
4
وعـلـى اعـتـبـار إنـنـا كـبـشـر لا نمـتـلـك هـذه الحـقـيـقـة المـطـلـقـة, وإنمـا هـي مـوزعـة بــي الــبــشــر, وتحــتــاج إلــى إنــصــات وتــواصــل مــســتــمــر بــيــنــهــم, لــذلــك فــإن التسامح هو الخيار السليم الذي ينبغي أن يتم التعامل به.
3- إن المـنـظـومـة الأخـلاقـيـة الـتـي شـرعـهـا الـديـن الإسـلامـي مـن قـبـيـل الـرفـق والإيــثــار والــعــفــو والإحــســان والمــداراة والــقــول الحــســن والألــفــة والأمــانــة, وحـث المـؤمـنـي بـه إلـى الالـتـزام بـهـا وجـعـلـهـا سـمـة شـخـصـيـتـهـم الخـاصـة والـعـامـة. كـلـهـا تـقـتـضـي الالـتـزام بمـضـمـون مـبـدأ الـتـسـامـح. بمـعـنـى أن تجـسـيد المـنـظـومـة الأخـلاقـيـة عـلـى المـسـتـويـي الـفـردي والاجـتـمـاعـي, يـفـضـي لا مـحـالـة إلـى شـيـوع حـالـة الـتـسـامـح ف المحـيـط الاجتـمـاعـي. فـالمـداراة تـقـتـضـي الـقـبـول بـالآخـر, والـيـسـر والـتـيـسـيـر يـتـطـلـبـان الـتـعـايـش مـع الآخـريـن, وحـتـى لـو اخـتـلـفـت مـعـهـم ف الـقـنـاعـات والـتـوجـهـات. والـرفـق يـتـطـلـب تـوطـي الـنـفـس عـلـى الـتـعـامـل الحـضـاري مـع الآخـريـن, حـتـى ولـو تـوفـرت أسـبـاب الاخـتـلاف والـتـمـايـز مـعـهـم. ولـذلـك نجـد أن الـذكـر الحـكـيـم, يـرشـدنـا إلـى
حقيقة أساسية وهي:
أن حــســن الخــلــق والــتــعــامــل الأخــلاقــي والحــضــاري مــع الآخــريــن, قــد يـحـولـهـم مـن مـوقـع الـعـداوة والخـصـومـة إلـى مـوقـع الـولاء والانـسـجـام. إذ
يـقـول تـبـارك وتـعـالـى } ولا تـسـتـوي الحـسـنـة ولا الـسـيـئـة ادفـع بـالـتـي هـي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم{ ) 2 (.
وجـاء ف تـفـسـيـر قـولـه تـعـالـى } وقـولـوا لـلـنـاس حـسـنـا { أي لـلـنـاس كـلـهـم مــؤمــنــهــم ومــخــالــفــهــم, أمــا المــؤمــنــون فــيــبــســط لــهــم وجــهــه, وأمــا المخــالــفــون فـيـكـلـمـهـم بـالمـداراة لا اجـتـذابـهـم إلـى الإيمـان, فـإنـه بـأيـسـر مـن ذلـك يـكـف
شرورهم عن نفسه, وعن إخوانه المؤمني.
5
ويمـتـدح الـبـاري عـز وجـل أولـئـك الـنـفـر الـذيـن يـتـجـاوزون مـصـالحـهـم الخـاصـة مــن أجــل المــصــلــحــة الــعــامــة, ويــؤثــرون الآخــريــن عــلــى أنــفــســهــم. إذ قــال
تـعـالـى }والـذيـن تـبـوءوا الـدار والإيمـان مـن قـبـلـهـم يـحـبـون مـن هـاجـر إلـيـهـم ولا يـجـدون ف صـدورهـم حـاجـة ممـا أوتـوا ويـؤثـرون عـلـى أنـفـسـهـم ولـو كـان
بـهـم خـصـاصـة ومـن يـوق شـح نـفـسـه فـأولـئـك هـم المـفـلـحـون{ ) 3 ( ويـأمـر ال تـعـالـى عـبـاده بـالـعـدل والإحـسـان ف كـل أحـوالـهـم وأطـوار حـيـاتـهـم. إذ
يـقـول عـز مـن قـائـل } إن ال يـأمـر بـالـعـدل والإحـسـان وإيـتـاء ذي الـقـربـى
ويـنـهـى عـن الـفـحـشـاء والمـنـكـر والـبـغـي يـعـظـكـم لـعـلـكـم تـذكـرون{ ) 4 (. ومــن خــلال هــذه المــنــظــومــة الــقــيــمــيــة والأخــلاقــيــة, نــرى أن المــطــلــوب مــن الإنـــســـان المـــســـلـــم دائـــمـــاً وأبـــداً وف كـــل أحـــوالـــه وأوضـــاعـــه, أن يـــلـــتـــزم
بمقتضيات التسامح ومتطلبات العدالة.
العدالة والتسامح أية علاقة :
والحـاضـن الأكـبـر لمجـمـوع الـفـضـائـل الأخـلاقـيـة والـتـي تـنـسـجـم ف مـضـمـونـهـا مـع مـضـمـون مـقـولـة الـتـسـامـح, هـو قـيـمـة الـعـدالـة فـهـي روح الإسـلام ومـنـطـقـه ف كـل المجـالات والحـقـول.. فـالـديـن الإسـلامـي, هـو ديـن الـفـطـرة, لـذلـك فـإن تـوجـيـهـاتـه ونـظـمـه وآدابـه وأحـكـامـه كـلـهـا تدعـو إلـى الـعـدل والـعـدالـة. وعـلـى ضـوء هـذا نـصـل إلـى حـقـيـقـة أسـاسـيـة مـفـادهـا: أن مـقـولـة الـتـسـامـح ف الإطـار الإسـلامـي, لـيـسـت مـرجـعـيـة نـهـائـيـة, وذلـك لأنـهـا لـيـسـت قـيـمة كـافـيـة لإعـادة بـنـاء الأخـلاقـيـات الإنـسـانـيـة المـنـاسـبـة لـتـحـقـيـق الـسـلـم بـي الـبـشـر. والمـرجـعـيـة الـنـهـائـيـة الـتـي يـثـبـتـهـا الإطـار الإسلامـي, هـي مـرجـعـيـة الـعـدل والـعـدالـة. وذلـك لأن الـتـسـامـح مـع مـا يـخـتـزن مـن فـضـائـل وعـنـاصر ايـجـابـيـة, إلا أنـه يـبـقـى, رغـم كـل شـيء, )عـلـى حـد تـعـبـيـر بـرهـان غـلـيـون(
6
قـيـمـة سـلـبـيـة, أعـنـي: مـبـنـيـة عـلـى عـدم رفـض الآخـر, أو عـلـى الحـيـاد تجـاه المخـتـلـف, أو إذا شـئـنـا عـلـى رفـض الـعـدوان. إن مـثـل هـذا المـشـروع يـحـتـاج إلـى أخـلاقـيـات ايـجـابـيـة تـعـمـل عـلـى الـتـقـريـب بـي الجـمـاعـات والـتـفـاعـل فـيـمـا بـيـنـهـا. وسـوف تـزداد الحـاجـة إلـى الـعـدالـة أو إلـى تحـقـيـق المـشـاركـة ف الثروات الإنسانية من قبل الجميع, بقدر ما يتقدم مسار الانــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدماج والـتـوحـيـد الـعـالمـي الـذي تـقـوده الـعـولمـة الـزاحـفـة وتـتـفـاقـم الـهـوة الـتـي تـفـصـل بـي الجـمـاعـات عـلـى المـسـتـويـات الاقـتـصـاديـة والـسـيـاسـيـة والـثـقـافـيـة, أي
بقدر ما تتفاقم الهوة الحضارية.
فـلا صـيـانـة لمـقـدسـات الإنـسـان, ولا مـحـافـظـة لمـكـتـسـبـاتـه المـاديـة والمـعـنـويـة, بـدون عـدالـة, تـصـون كـل المـكـتـسـبـات والمـنـجـزات, وتحـول دون الـتـعـدي والعدوان.
فـالـعـدالـة كـقـيـمـة ومـقـتـضـيـات ولـوازم, هـي الـتـي تـقـود الإنـسـان إلـى تجـاوز كــل الأنــانــيــات, وتــخــطــي كــل الــعــصــبــيــات الــتــي تــفــضــي إلــى الــعــســف والجور.
والالـتـزام بمـتـطـلـبـات الـتـسـامـح, هـو جـسـر الـعـبـور إلـى قـيـمـة الـعـدالـة المـطـلـوبـة ف كل الأحوال والظروف.
التسامح والمسؤولية الاجتماعية :
ثـمـة دوافـع ومـتـطـلـبـات عـديـدة, سـاهـمـت ف بـلـورة الحـاجـة إلـى
مــفــاهــيــم وقــيــم وثــقــافــات, تــســاهــم ف زيــادة وتــيــرة الــتــفــاهــم بــي الأم والــشــعــوب, وتــؤســس لــعــلاقــة ســلــمــيــة وبــعــيــدة عــن خــيــارات الــقــطــيــعــة والــصــدام والحــروب المــفــتــوحــة. فــكــلــمــا تــوســعــت المــســافــة بــي الــشــعــوب
7
والأم, ازدادت الحــاجــة إلــى أطــر ومــبــادرات تحــول دون أن تــتــحــول هــذه المـسـافـة إلـى سـبـب إلـى الـصـراع والـصـدام.. ولـهـذا نجـد أنـه عـلـى مـسـتـوى التجارب الإنسانية أنه من رحم التعصب الــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــديني والقومي والعرقي تبلورت أفكار التسامح والــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــتعايش, ومن تداعيات الحروب وأهوالها الـكـبـرى نـضـجـت مـفـاهـيـم المحـبـة والحـوار وقـبـول الآخـر كـجـزء لا يـتـجـزأ مـن
الذات والوجود.
ولـكـن الـتـحـدي الحـقـيـقـي الـذي يـواجـه الإنـسـانـيـة الـيـوم هـو: كـيـف نجـعـل مـن هـذه المـفـاهـيـم والـقـيـم الـتـي تجـسـر الـعـلاقـة بـي الأم والـشـعـوب, وتـضـبـط حـالات الـتـنـوع والاخـتـلاف قـيـمـا حـاكـمـة وسـائـدة لـيـس عـلـى مـسـتـوى الـنـخـب والأطـر الـضـيـقـة, وإنمـا تـشـكـل تـيـارا مـجـتـمـعـيـا قـويـا, تـتـجـاوز مـن خــلالــه كــل مــحــاولات الــتــزيــيــف والحــصــار. ويــبــدو مــن نــظــام الــعــلاقــات الـدولـيـة الـسـائـدة, والجـهـود الـعـالمـيـة المـبـذولـة لـعـلاج الـكـثـيـر مـن المـشـكـلات الـعـالـقـة والمـزمـنـة ف الإطـار الإنـسـانـي, أن الـعـالـم الـيـوم لا يتـعـاطـى مـع هـذه المــفــاهــيــم عــلــى أســس ســلــيــمــة, لــذلــك تــبــرز حــالــة الــكــيــل بمــكــيــالــي والازدواجـيـة ف المـعـايـيـر وحـالات الـتـعـامـل. مـن هـنـا فـإنـنـا لا نـبـالـغ حـي الـقـول: انـه ف الـكـثـيـر مـن الحـالات يـتـم الـتـعـامـل مـع هـذه المـفـاهـيـم عـلـى المـسـتـوى الـدولـي وفـق أنـظـمـة الاسـتـهـلاك الـتـي تـتـجـه إلـى تـوظـيـفـهـا مـن
أجل مصالح وأهداف خاصة ومحددة.
إن هذه القيم والمفاهيم الإنسانية والأخـلاقية, هي من المساحات الهامـة المـشـتركـة بـي الإنـسـانـيـة بـل هـي مـن صـلـب الاجـتـمـاع الإنـسـانـي.. بمـعـنى أن غــيــاب هــذه المــفــاهــيــم والــقــيــم عــلــى مــســتــوى الــواقــع, يــحــول الــوجــود
البشري إلى غابة مليئة بالوحوش والتجاوزات بكل صورها وأشكالها.
8
ولـعـلـنـا لا نجـانـب الحـقـيـقـة حـي الـقـول: أن الـكـثـيـر مـن المـشـاكـل والأزمـات الـتـي تـعـانـي مـنـهـا المجـتـمـعـات الإنـسـانـيـة سـواء عـلـى صـعـيـدهـا الـداخـلـي أو عــلــى صــعــيــد عــلاقــاتــهــا مــع المجــتــمــعــات الأخــرى, هــي مــن جــراء غــيــاب الـعـدالـة وأنـظـمـتـهـا ومـتـطـلـبـاتـهـا ف نـظـام الـعـلاقـة عـلـى المـسـتـويـي الـداخـلـي والخـارجـي. والـفـصـام الـنـكـد بـي الـنـظـر والـعـمـل, بـي الـقـول والـفـعـل فـاقـم مـــن هـــذه الأزمـــات والمـــشـــكـــلات. فـــلا احـــد عـــلـــى المـــســـتـــوى الـــنـــظـــري والـتـجـريـدي يـكـره الـعـدل أو يـتـخـذ مـن لـوازمـه مـوقـفـا سـلـبـيـا, ولـكـن عـلـى المـسـتـوى الـواقـعـي والـفـعـلـي تمـارس كـل الأعـمـال والمـمـارسـات المـنـاقـضـة لـهـذه الـقـيـمـة. وبـفـعـل هـذا الـفـصـام والازدواجـيـة لـم نـتـمـكـن كـشـعـوب عـربـيـة وإسـلامـيـة مـن الانـعـتـاق مـن أسـر الـتـخـلـف والانـحـطـاط, ولـم نـتـمـكـن مـن تجـاوز المحـن الـكـبـرى الـتـي تـواجـهـنـا. وذلـك لأن الـتـقـدم والـقـدرة عـلـى تجـاوز المحـن, بـحـاجـة إلـى طـاقـة تـدمـج بـي الـنـظـر والـعـمـل وتجـعـل الإيمـان مـعـطـى عـمـلـيـا, مـفـعـمـا بـالحـيـويـة والـفـعـالـيـة.. وعـلـى هـذا فـإن المجـتـمـع بـكـل شـرائـحـه وفـئـاتـه, يـتـحـمـل مـسـؤولـيـة كـبـرى تجـاه تـوطـيـد حـقـائـق الـتـسـامـح ف المحـيط الاجـتـمـاعـي, وذلـك لأن سـيـادة الـقـيـم المـنـاقـضـة لـلـتـسـامـح, تـهـدد اسـتـقـرار المجـتـمـع ووحـدتـه وكـل مـكـاسـبـه الـتـاريـخـيـة والـراهـنـة.. لـذلـك فـإن تـوطـيـد حـقـائـق الـتـسـامـح ف المحـيـط الاجتـمـاعـي, هـو ف حـقـيـقـتـه دفـاع عـن راهـن المجـتـمـع ومـسـتـقـبـلـه. مـن هـنـا فـإن هـذه المـسـؤولـيـة, مـسـؤولـيـة عـامـة وتـسـتـوعـب جــمــيــع الــشــرائــح والــفــئــات. حــيــث تــســعــى كــل شــريــحــة مــن مــوقــعــهــا وعـلاقـاتـهـا أن تجـذر مـسـتـوى الـتـفـاهـم والـتـعـارف بـي أبـنـاء المجـتـمـع الـواحـد, وتـؤسـس لحـقـائـق الـتـسـامـح كـوسـيـلـة مـجـتـمـعـيـة وحـضـاريـة ف إدارة الـفـوارق والـتـمـايـزات المـتـوفـرة ف المجـتـمـع الـواحـد. فـإذا كـانـت الـوحـدة مـطـلـبـا إسـلامـيـا وحــضــاريــا, إذ قــال تــعــالــى )أن أقــيــمــوا الــديــن ولا تــتــفــرقــوا( ) 5 (. فــإن
9
الاخــتــلاف هــو مــن الأمــور الــطــبــيــعــيــة ف حــيــاة الإنــســان عــبــر الــتــاريــخ, وحـقـيـقـة إنـسـانـيـة عـمـيـقـة لا يمـكـن نـكـرانـهـا. وهـنـا نـصـل إلـى مـربـط الـفـرس, حـيـث أن الـوحـدة لا تـعـنـي غـيـاب الاخـتـلافـات لأنـهـا مـن جـبـلـة الـبـشـر. ولــعــلــنــا نــرتــكــب خــطــيــئــة تــاريــخــيــة كــبــرى, حــيــنــمــا نــســاوي بــي الــوحــدة
والتوحيد القسري بي البشر.
وإن المـطـلـوب هـو إعـادة الـنـظـر ف مـفـاهـيـم الـوحـدة والاخـتـلاف. حـيـث أن الـوصـول إلـى حـقـيـقـيـة الـوحـدة ف المجـتـمـع, تـتـطـلـب احـتـرام الاخـتـلافـات وإدارتـهـا بـعـقـلـيـة حـضـاريـة ومـنـفـتـحـة, حـتـى تـتـراكـم عـن طـريـق هـذه الإدارة الحـضـاريـة حـقـائـق الـوحـدة الـقـائـمـة عـلـى احـتـرام كـل الخـصـوصـيـات الـثـقـافـيـة والاجــتــمــاعــيــة.. فــالــوحــدة لا تــبــنــى عــلــى أنــقــاض الخــصــوصــيــات, وإنمــا احــتــرام هــذه الخــصــوصــيــات وإدارتــهــا وفــق نــســق حــضــاري – تــعــددي هــو
الذي يوصلنا إلى الألفة والوحدة.
فـالـوحـدة مـهـمـا كـان شـكـلـهـا أو مـسـتـواهـا, لا تـبـنـي حـيـنـمـا نـغـرس بـذور الــعــداوة والــكــراهــيــة والخــصــومــة. إن هــذه الــوقــائــع تــزيــد مــن الــتــشــظــي والانقسام, وتباعد بي المجتمع وحقائق الوحدة.
وإن الـتـحـلـيـل الـعـمـيـق لمـسـار الـوحـدة ف المجـتـمـعـات الإنـسـانـيـة, يـوصـلـنـا إلى قناعة أساسية ألا وهي: أن التسامح والقبول القانوني والاجــــــــــــــــــــــــــــــــــــــتماعي بــتــعــدد الآراء والأفــكــار والــتــعــبــيــرات, هــو الــذي يــقــود إلــى تــراكــم تــقــالــيــد الألـفـة والاتحـاد, وتجـاوز كـل الإحـن والأحـقـاد ف المجـتـمـعـات الإنـسـانـيـة.. فالتسامح تجاه القناعات والأفكار والآراء, لا يقود إلى الفوضـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــى والـتـشـتـت. وإنمـا الـذي يـقـود إلـى هـذا هـو الـتـعـامـل مـع مـطـالـب الـوحـدة بـعـيـدا
عن حقائق التاريخ والمجتمع.
10
التسامح طريق الوحدة :
وعـلـيـه فـإن الـسـعـي إلـى الـوحـدة, يـقـتـضـي إرسـاء مـعـالـم الـتـسـامـح والـقـبـول بــالآخــر وجــودا ورأيــا. وذلــك لأن هــذه المــعــالــم هــي الــتــي تــزيــد مــن فــرص الـتـضـامـن الـداخـلـي, وهـي الـتـي تـعـلـي مـن شـأن الانـسـجـام والائـتـلاف, وهـي الـتـي تـرعـى وتحـتـضـن كـل وقـائـع الـوحـدة ف الـوسـط الاجـتـمـاعـي. فــالإكــراه لا يــقــود إلــى الإيمــان, كــمــا أن نــفــي الخــصــوصــيــات لا يــقــود إلــى الــوحــدة. لــذلــك نجــد ال ســبــحــانــه وتــعــالــى, يــحــذر مــن ممــارســة الإكــراه لحــمــل الــنــاس عــلــى الإيمــان. إذ يــقــول الحــق )أفــأنــت تــكــره الــنــاس حــتــى يــكــونــوا مــؤمــنــي( ) 6( .فــإذا كــان الحــمــل عــلــى الحــق بــالــقــوة والإكــراه مــحــظــورا ف الإســلام, فــمــن بــاب أولــى أن يــكــون الحــمــل عــلــى مــا كــان ظـنـيـا, أو كـان مـورد اجـتـهـاد ونـظـر مـنـهـيـا عـنـه بـاعـتـبـاره تـسـلـطـا وقـهـرا. لـذلـك فـإن تـسـعـيـر الـبـغـضـاء وتـنـمـيـة الأحـقـاد, يـعـد مـن عـوامـل الـهـدم الأسـاسـيـة
لأي كيان اجتماعي.
وفــــــــــي إطــــــــار الـعـمـل عـلـى بـلـورة المـسـؤولـيـة الاجـتـمـاعـيـة تجـاه قـيـم التسامح والتضامن ونبذ الكراهية, نؤكد على النقاط التالية:
1- إن الـتـسـامـح كـحـقـيـقـة اجتـمـاعـيـة, لا يمـكـن أن تـتـجـسـد بـدون تـطـويـر الـثـقـافـة المجـتـمـعـيـة الـتـي تحـتـضـن كـل مـعـالـم وحـقـائـق هـذه الـقـيـمـة. وبـالـتـالـي فـإن المـسـؤولـيـة الاجـتـمـاعـيـة الأولـى, هـي الـعـمـل عـلـى تـطـويـر ثـقـافـة الحـريـة والـتـواصـل وحـقـوق الإنـسـان ونـبـذ الـعـنـف والإقـصـاء والمـفـاصـلـة الـشـعـوريـة بي أبناء المجتمع الواحد. فلكي يبنى التسامح الاجـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــتماعي وتسود عـلاقـات المحـبـة والألـفـة وحـسـن الـظـن صـفـوف المجـتـمـع, نـحـن بـحـاجـة أن نـعـلـي مـن شـأن الـثـقـافـة والمـعـرفـة الـقـادرة عـلـى اسـتـيـعـاب الجـمـيـع بـتـنـوعـاتـهـم
11
واخـتـلافـاتـهـم الاجـتـمـاعـيـة والـفـكـريـة. وهـذا بـطـبـيـعـة الحـال, يـتـطـلـب ممـارسـة قــطــيــعــة مــعــرفــيــة واجــتــمــاعــيــة مــع كــل ثــقــافــة تــشــرع لمــمــارســة الــعــنــف والــتــعــصــب, أو تــبــرر لمــعــتــنــقــهــا ممــارســة الــنــبــذ والإقــصــاء مــع الآخــريــن, فالتسامح الاجــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــتماعي لا ينمو ويتجذر إلا ف بيئة تقبل التعدد والاخــتــلاف, وتمــارس الانــفــتــاح الــفــكــري والمــعــرف, وتــطــلــق ســراح الــرأي لـلـتـعـبـيـر والـنـقـد.. فـلـكـي نـحـقـق الـتـسـامـح, نـحـن بـحـاجـة أن نـنـبـذ من واقـعـنـا كـل أشـكـال الـتـعـصـب وممـارسـة الـعـنـف.. حـيـث انـه لا يمـكـن أن تتجسد معالم التسامح ف مجتمع تسوده ثقافة تـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدفع إلى الانغلاق والـتـعـصـب وممـارسـة الـعـنـف تجـاه المخـالـفـي. إن الـتـسـامـح بـحـاجـة إلـى ثـقـافة مـجـتـمـعـيـة جـديـدة, قـوامـهـا الـقـبـول بـالآخـر المخـتـلـف والـتـعـامـل مـعـه عـلـى
أسس حضارية تنسجم وقيم المساواة والعدل.
2- بـنـاء وتـعـزيـز أطـر ومـؤسـسـات الـتـفـاهـم بـي مـخـتـلـف شـرائـح المجـتـمـع وذلـك لأن الـكـثـيـر مـن أنمـاط الـعـداء والخـصـومـة, لـيـسـت ولـيـدة الاخـتـلاف المحــض, وإنمــا هــي مــن جــزاء غــيــاب أطــر ومــؤســســات لــلــتــفــاهــم والحــوار المــبــاشــر. فــالجــفــاء والــتــبــاعــد المــتــبــادل, يــســاهــم ف تــوســيــع شــقــة الخــلاف وتـبـايـن وجـهـات الـنـظـر. لـذلـك مـن الأهـمـيـة بمـكـان ومـن أجـل إرسـاء مـعـالـم الـتـسـامـح ف الـوسـط الاجـتـمـاعـي, الـعـمـل عـلـى تـطـويـر خـيـار الـتـفـاهـم والحـوار المـبـاشـر بـي مـخـتـلـف الـفـرقـاء. صـحـيـح أن الـتـفـاهـم لا يـنـهـي الاخـتـلافـات الإنـسـانـيـة, ولـكـنـه بـالتـأكـيـد يمـنـع تـأجـجـهـا وتحـولـهـا إلـى مـصـدر لمـمـارسـة
العنف والتطرف, وف ذات الوقت يبقيها ف حدودها الطبيعية.
فـالـتـفـاهـم بـي مـخـتـلـف الآراء والـتـعـبـيـرات, هـو الـذي يـعـمـق مـن خـيـار الـتـسـامـح ف المجـتـمـع. والتـفـاهـم الـذي نـقـصـده هـنـا لا يـعـنـي تـطـابـق وجـهـات
12
نـظـر الجـمـيـع حـول مـخـتـلـف الـقـضـايـا والأمـور, لأن ذلـك مـسـتـحـيـل مـن الـنـاحـيـة الـطـبـيـعـيـة والـواقـعـيـة. وإنمـا يـعـنـي وجـود الاخـتـلافـات الـتـي يمـكـن إدارتـهـا وحـلـهـا بـوسـائـل لا نمـطـيـة, وبـعـيـدة عـن ممـارسـة الـعـنـف والـعـسـف. ونـحـن هـنـا لا نـلـغـي جـدلـيـة الـصـراع الاجـتـمـاعـي, وإنمـا نـلـغـي فـقـط أداة خــطــيــرة مــن أدواتــه. ومــن ثــم يمــكــنــنــا الــقــول: أن إشــاعــة أجــواء الــســلــم والـتـسـامـح والـقـبـول بـالآخـر وجـودا ورأيـا, هـي الـسـلاح الـفـعـال لـلـقـضـاء عـلـى ظـاهـرة الـعـنـف الـبـشـري. فـتـوطـيـد أسـس الـتـفـاهـم ف المحـيـط الاجـتـمـاعـي, هـو الـذي يـبـلـور آداب وأخـلاقـيـات وضـوابـط الاخـتـلاف, كـمـا أنـه يـوفـر لـنـا جـمـيـعـا الأسـبـاب المـوضـوعـيـة لـلـدنـو والـقـرب مـن الحـقـيـقـة, ويـجـعـلـنـا نـتـعـلـم
من بعضنا البعض على مختلف المستويات.
وف هـذا الإطـار لابـد مـن الإدراك, أن مـن المـهـم أن نـلـتـزم بـقـاعـدة الـفـهـم قـبـل الـتـفـاهـم.. بمـعـنـى أن يـسـعـى كـل طـرف إلـى أن يـفـهـم وجـهـة الـنـظـر الأخـرى كـمـا هـي وبـدون زيـادة أو نـقـيـصـة. وبـدون الـدخـول ف مـتـاهـات
التشويه وحرب الشائعات والأوراق الصفراء.
إن الالـتـزام بـهـذه الـقـاعـدة الـذهـبـيـة, هـو الـذي يـجـعـل المجـتـمـع يـبـدع أسـس وأطــر لــلــتــفــاهــم بــشــكــل مــســتــدي. وبــذلــك تــتــراكــم الخــبــرة الحــضــاريــة للمجتمع, وتزداد أسس وقواعد التسامح ف المحيط الاجتماعي.
فـالمـسـؤولـيـة الاجـتـمـاعـيـة تـتـجـسـد ف تـوطـيـد أركـان ثـقـافـة الحـوار والـتـواصـل والـتـسـامـح والـسـلـم, والـقـيـام بـبـنـاء الأطـر والمـؤسـسـات الـتـي تـعـنـى بـشـؤون التفاهم بي مختلف الفئات والشرائح ف المجتمع.
وخـلاصـة الأمـر: إنـنـا بـحـاجـة إلـى مـجـتـمـع جـديـد, يـتـجـاوز ف عـلاقـاتـه وأنـظـمـتـه الـداخـلـيـة, تـلـك الـقـواعـد الـتـي سـاهـمـت بـشـكـل أو بـآخـر ف تـفـاقـم
13
الأزمـات, وازديـاد المـآزق, ووصـولـنـا جـمـيـعـا إلـى طـريـق مـسـدود.. وحـده المجـتـمـع الجـديـد الـذي يـتـمـكـن مـن تجـاوز مـحـن الـراهـن وبـنـاء المـسـتـقـبـل عـلـى أسس حضارية وإنسانية.
نحو عقد اجتماعي جديد :
ف ظـــل الخـــلافـــات والـــنـــزاعـــات الـــســـيـــاســـيـــة والاقـــتـــصـــاديـــة والاجتماعية, التي تنتاب العديد من مناطق العالم الإنساني.
مـن الـضـروري أن نـتـسـاءل: كـيـف لـنـا ف هـذا الجـو المحـمـوم, أن نـبـدع ثـقـافـة حـواريـة, تـسـاهـم ف تـطـورنـا الـروحـي والإنـسـانـي والحـضـاري.. كـيـف لـنـا أن نـــطـــور ثـــقـــافـــة الـــبـــنـــاء والإصـــلاح ف عـــالـــم يمـــور بـــالخـــلافـــات والـــنـــزعـــات
والحروب.
ونــحــن حــيــنــمــا نــتــســاءل هــذه الأســئــلــة المحــوريــة, لا نجــنــح إلــى الخــيــال والـتـمـنـي, ولا نـتـجـاوز المـعـطـيـات الـواقـعـيـة, وإنمـا نـرى أن الخـروج مـن نـفـق الحـروب والـنـزعـات ومـتـوالـيـاتـهـمـا الـنـفـسـيـة والاجـتـمـاعـيـة والـسـيـاسـيـة, لا
يتم إلاّ بتوطيد أركان ثقافة الإصلاح والحوار والتوازن.
ولابــد مــن إدراك أن هــذه الــثــقــافــة, لــيــســت حــلاً ســحــريــاً لــلــمــشــكــلات والأزمـات, وإنمـا هـي الخـطـوة الأولـى لـعـلاج المـشـكـلات بـشـكـل صـحـيـح وسليم.
فـالـعـنـف المـسـتـشـري ف حـيـاتـنـا الـسـيـاسـيـة والاجـتـمـاعـيـة والـثـقـافـيـة, لا يمـكـن مـقـابـلـتـه بـالـعـنـف, لأن هـذا يـدخـل الجـمـيـع ف أتـون الـعـنـف ومـتـوالـيـاتـه الخـطـيـرة ولـكـن نـقـابـلـه بـالمـزيـد مـن الحـوار والإصـلاح ف أوضـاعـنـا الـسـيـاسـيـة
14
والاجـتـمـاعـيـة والاقـتـصـاديـة. بمـعـنـى الـعـمـل عـلـى تـطـويـر وتحـسـي الحـالـة الـسـيـاسـيـة والاجـتـمـاعـيـة والاقـتـصـاديـة, الـتـي تـسـاهـم بـشـكـل أو بـآخـر ف تـغـذيـة قـوافـل الـعـنـف والـقـتـل والـتـطـرف بـالمـزيـد مـن الأفـكـار والـتـبـريـرات
والمسوغات.
وإن طـبـيـعـة الـتـطـورات الاسـتـراتـيـجـيـة والأحـداث الـسـيـاسـيـة الـتـي تمـر بـهـا المـنـطـقـة, تـتـجـه إلـي تـأكـيـد حـقـيـقـة أسـاسـيـة ف المـشـهـد الـسـيـاسـي لـلـمـنـطـقـة وهـي: أن الـنـخـبـة أو الـفـئـة سـواء كـانـت حـاكـمـة أو مـحـكـومـة الـتـي تـربـط مــصــيــرهــا بــخــارج حــدود الــوطــن, فــإن هــذا لا يــفــضــي إلاّ إلــى المــزيــد مــن
الإرباك والتدهور.
حـيـث أن الارتـبـاط الـهـيـكـلـي بـخـارج الحـدود, سـيـزيـد مـن فـرص اسـتـخـدام الـقـهـر والـقـوة لـفـرض الخـيـارات وجـبـر الـنـقـص ف الـعـلاقـات الـداخـلـيـة مـن جراء الارتهان للأجنبي.
وهـذا يـقـود إلـى تـنـامـي مـشـاعـر الـعـداء والخـيـبـة لـكـل مـا يـجـري ف الـسـاحة الــعــربــيــة, وســتــشــهــد المــنــطــقــة مــن جــراء ذلــك حــالــة مــن عــدم الاســتــقــرار والـقـلـق والخـوف, كـمـا سـيـتـفـاقـم الـعـنـف الـرمـزي والمـادي, لأن الـقـهـر والـظـلـم
والإذلال ينبوع دائم للإرهاب والعنف وعدم الاستقرار.
وهــذا يــدفــعــنــا إلــى الاعــتــقــاد الجــازم, أن الاســتــقــرار الــســيــاســي الحــقــيــقــي والــدائــم ف فــضــائــنــا الــعــربــي والإســلامــي لا يــتــأتــى مــن حــالــة الارتــهــان لـلأجـنـبـي أو الانـسـجـام المـطـلـق مـع اسـتـراتـيـجـيـاتـه وخـيـاراتـه الإقـلـيـمـيـة والـدولـيـة. بـل إن هـذه الحـالـة, تـزيـد مـن فـرص انـهـيـار الاسـتـقـرار وتـفـاقـم
من حالات اختراق الأمن الوطني والقومي.
15
لـذلـك فـإنـه يـخـطـأ مـن يـتـصـور أن بـوابـة الاسـتـقـرار الـسـيـاسـي والاقـتـصـادي والاجـتـمـاعـي ف مـجـتـمـعـاتـنـا, هـي الخـضـوع لـرهـانـات الأجـنـبـي وخـيـاراتـه ف الغطرسة والهيمنة.
فـالـتـجـارب الـسـيـاسـيـة تـثـبـت أن الارتـهـان لـلأجـنـبـي, لا يـجـلـب إلاّ المـزيـد مــن الــصــعــوبــات وســخــط المجــتــمــعــات وفــقــدان ثــقــتــهــا وإيمــانــهــا بــنــخــبــتــهــا السياسية والاقتصادية.
أولوية المصالحة الداخلية :
وف ظـل الأوضـاع الـراهـنـة تـزداد مـخـاطـر الارتـهـان لـلأجـنـبـي عـلـى مـخـتـلـف المـسـتـويـات. ويـبـقـى ف تـقـديـرنـا خـيـار تـنـمـيـة مـشـروع المـصـالحـة الـداخـلـيـة ف الـفـضـاء الـسـيـاسـي والاجـتـمـاعـي الـعـربـي. إذ إنـنـا لا يمـكـن أن نـحـقـق الأمـن والاسـتـقـرار إلاّ عـلـى قـاعـدة المـصـالحـة الـداخـلـيـة ف المجـتـمـعـات الـعـربـيـة بـي
مختلف المكونات والتعبيرات.
مــصــالحــة بــي الــســلــطــة والمجــتــمــع, بــي الــنــخــب الــســيــاســيــة والــثــقــافــيــة والاقـتـصـاديـة, بـي المـكـونـات والـتـوجـهـات الـديـنـيـة والـقـومـيـة. بـحـيـث يـتـوفـر مـنـاخ جـديـد يـزيـد مـن فـرص الـوفـاق والـتـوافـق, ويـقـلـل مـن إمـكـانـيـة الـصـدام
والصراع المفتوح بي الخيارات المتوفرة ف الساحة.
إنـنـا جـمـيـعـاً نـخـبـاً ومـجـتـمـعـات, لا نمـتـلـك الـقـدرة الحـقـيـقـيـة لإنجـاز حـلـول جـذريـة لأزمـاتـنـا ومـشـكلاتـنـا, واسـتـمـرار أوضـاعـنـا وأحـوالـنـا عـلـى حـالـهـا, سيفاقم من الأزمات وسيوصلنا جميعاً إلى شفير الهاوية.
لـذلـك وف ظـل أحـوالـنـا المـتـرديـة والـتـحـديـات والمخـاطـر الـكـبـرى الـتـي تـواجـهـنـا مـن مـخـتـلـف المـواقـع, وغـيـاب الـقـدرة الحـقـيـقـيـة لـديـنـا جـمـيـعـاً لـلانـعـتـاق الجـذري مـن هـذه الاخـتـنـاقـات, لـذلـك كـلـه لا يـبـقـى أمـامـنـا كـحـكـومـات
16
وشـعـوب إلاّ أن نـلـتـفـت لـبـعـضـنـا الـبـعـض, ونـعـمـل بـوعـي وإحـسـاس عـمـيـق بـالمـسـؤولـيـة لإطـلاق مـشـروع مـصـالحـة سـيـاسـيـة واجـتـمـاعـيـة بـي مـخـتـلـف مـكـونـات المجـتـمـع, حـتـى نـتـمـكـن مـن الخـروج مـن هـذه الـدائـرة الجـهـنـمـيـة الــتــي تــراكــم المخــاطــر وتــكــثــف مــن الــتــحــديــات وتــزيــدنــا ضــعــفــاً وتــراجــعــاً وانـتـكـاسـاً. فـالـتـطـورات الـسـيـاسـيـة الأخـيـرة ف الـعـراق وفـلـسـطـي تـؤكـد أن المجـال الـعـربـي بـأسـره عـاجـزاً عـن حـمـايـة ذاتـه والـدفـاع عـن أمـنـه الـوطـنـي والـقـومـي, وأن المـشـروع الـصـهـيـونـي يـتـغـول ويـتـضـخـم ويـصـل إلـى أهـدافـه الخــطــيــرة مــن جــراء عــجــزنــا وضــعــفــنــا. ولــن تــســتــطــيــع الخــطــب الــرنــانــة أو الـشـعـارات الـصـارخـة أن تـغـيـر مـن أحـوالـنـا وأوضـاعـنـا وتـزيـل عـن كـاهـلـنـا حالة العجز المطبق التي كلفتنا ولا زالت الكثير من الخسائــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــر والانـكـسـارات. كـمـا أن اسـتـمـرار الأوضـاع الـداخـلـيـة ف الـبـلـدان الـعـربـيـة
على حالها, يعني استمرار الأخطار والخسائر.
وهـذا يـنـذر بـحـدوث كـوارث سـيـاسـيـة واقـتـصـاديـة واجـتـمـاعـيـة ف الـعـديـد من المناطق والبلدان.
لــذلــك لا خــيــار حــقــيــقــي أمــامــنــا إلاّ مــصــالحــة أنــفــســنــا وإعــادة بــنــاء عــقــد ســيــاســي واجــتــمــاعــي جــديــد عــلــى المــســتــويــي الــوطــنــي والــقــومــي, حــتــى نـتـمـكـن مـن تـوفـيـر شـروط الخـروج والانـعـتـاق مـن هـذه الأزمـات الخـانـقـة والـتـي تـهـدد وجـودنـا ومـسـتـقـبـلـنـا كـلـه. فـلا أحـد ف الـعـالـم الـعـربـي كـلـه يـتـحـمـل الـيـوم الانـتـقـال مـن خـسـارة إلـى أخـرى ومـن نـكـسـة إلـى نـكـسـة أخـرى أشـد مـنـهـا وطـأة وخـطـراً وتـأثـيـراً عـلـى الحـاضـر والمـسـتـقـبـل. فـفـي ظـل الأوضـاع الحـالـيـة ازدادت الأمـة مـعـانـاة وتـراجـعـاً, وف ظـل الـنـظـام الـعـربـي الـرسـمـي الـقـائـم تـوسـع المـشـروع الـصـهـيـونـي وأصـبـح يـهـدد الجـمـيـع أمـنـيـاً
17
وسـيـاسـيـاً واقـتـصـاديـاً, وازددنـا تـفـكـكـاً وتـفـتـتـاً عـلـى ضـوء المـوقـف مـن مـشـروع السلام والتطبيع.
وف ظــل هــذه الــظــروف والأوضــاع حــدثــت حــروب ومــصــادمــات عــربــيــة – عربية أرهقت الجميع وأدت إلى أضرار فادحة ف جسم الأمة.
وخــلاصــة الأمــر: أن جــمــيــع الــوقــائــع والــتــطــورات الــداخــلــيــة والخــارجــيــة, تـثـبـت بـشـكـل لا لـبـس فـيـه حـاجـتـنـا جـمـيـعـاً إلـى نـظـام وعـقـد سـيـاسـي جــديــد يــضــع الأمــة مــن جــديــد ف الــطــريــق الــصــحــيــح مــن أجــل تحــقــيــق أهـدافـهـا وتـطـلـعـاتـهـا الـتـاريـخـيـة. إنـنـا أحـوج مـا نـكـون الـيـوم إلـى رؤيـة وعـقـد جـديـد يـنـظـم الـعـلاقـات الـداخـلـيـة بـي قـوى الـوطـن المـتـعـددة وبـي الـدول الـعـربـيـة مـع بـعـضـهـا الـبـعـض. ويـنـمـي طـاقـاتـنـا ويـصـقـل مـواهـبـنـا ويـعـزز قـدراتـنـا الــذاتــيــة والمــوضــوعــيــة ويــحــرر إرادتــنــا مــن الــعــجــز أو الارتــهــان والــتــبــعــيــة, ويـشـحـذ كـل طـاقـات وقـدرات الأمـة مـن أجـل اسـتـعـادة حـقـوق الـشـعـب الـفـلـسـطـيـنـي المـشـروعـة والـتـاريـخـيـة, ودحـر المـشـروع الـصـهـيـونـي مـن فـضـائـنـا ومـجـالـنـا الـسـيـاسـي والحـضـاري. فـثـغـرات واقـعـنـا الـعـربـي عـديـدة وعـظـيـمـة, والـتـحـديـات والمخـاطـر الـتـي تـهـددنـا مـتـواصـلـة, ولا خـيـار أمـامـنـا إعـادة تـرتـيـب أوضـاعـنـا وأحـوالـنـا عـلـى أسـس جـديـدة تـأخـذ بـعـي الاعـتـبـار كـل الـتـطـورات والــتــطــلــعــات الــداخــلــيــة, دون أن تــغــفــل حــاجــتــنــا جــمــيــعــاً إلــى الائــتــلاف
والوحدة.
وهـذا يـتـطـلـب مـن الـنـخـب الـسـيـاسـيـة ف المجـال الـعـربـي, اتـخـاذ إجـراءات وخــطــوات عــمــلــيــة مــلــمــوســة لــوقــف الانــهــيــار والانــطــلاق ف بــنــاء حــيــاة سـيـاسـيـة جـديـدة, تـؤسـس لمـشـروع عـربـي جـديـد, يـحـقـق نـهـضـتـنـا ويـوفـر لـنـا
18
الـقـدرة الـنـوعـيـة لمجـابـهـة الـتـحـديـات الـكـبـرى الـتـي تـفـرضـهـا قـوى الـهـيـمـنـة والغطرسة ف المجال العربي.
وإن الخــطــوة الأولــى ف مــشــروع وقــف الانــهــيــار وإعــادة الــتــوازن إلــى المجــال الــعــربــي هــي إصــلاح وتــطــويــر الــعــلاقــة بــي الــســلــطــة والمجــتــمــع ف الإطــار الـوطـنـي والـعـربـي. فـهـي مـدخـل وقـف الـتـراجـع والـتـقـهـقـر, وهـي الـتـي تمـكـنـنـا مـن الـتـغـلـب عـلـى المـصـاعـب الاقـتـصـاديـة والـسـيـاسـيـة الـتـي تـواجـه دول
العالم العربي لأسباب وعوامل مختلفة.
وإن هـذه المـصـالحـة بمـا تـتـضـمـن مـن رؤيـة ونمـط جـديـد لـلـعـلاقـة والـتـعـامـل, هـي الـيـوم أكـثـر مـن ضـرورة.. إنـهـا خـيـارنـا المـتـاح لـلـدخـول ف حـركـة الـتـاريـخ مــن جــديــد وتجــاوز كــل المــعــضــلات والــعــقــبــات الــتــي تحــول دون تــقــدمــنــا
وانطلاقتنا من جديد.
ومـا لـم تـقـم دول الـعـالـم الـعـربـي بمـشـروع المـصـالحـة مـع شـعـوبـهـا ومـجـتـمـعـاتـهـا, فــســيــكــون مــســتــقــبــل المجــال الــعــربــي بــأســره قــاتمــاً وخــطــيــراً عــلــى مــخــتــلــف المستويات.
فــلا تــقــدم بــدون إصــلاح, ومــن يــنــشــد الــتــطــور أو الــتــقــدم دون الــقــيــام بــخــطــوات إصــلاحــيــة حــقــيــقــيــة, فــإن أغــلــب الخــطــوات الــتــي يــقــوم بــهــا ســتــراكــم مــن الأزمــات, وســتــكــثــف مــن حــالات الإحــبــاط والــفــشــل.
فالارتباط بي الإصلاح والتقدم هو ارتباط النتيجة بالسبب.
وهــذا الــعــقــد الاجــتــمــاعــي – الــســيــاســي هــو الــذي مــصــالــح الجــمــيــع, وهــو المـرجـعـيـة الـعـلـيـا لـكـلا الـطـرفـي. فـمـفـتـاح الخـلاص لـلـعـديـد مـن الـتـوتـرات والأزمـات, وجـود عـقـد يـنـظـم طـبـيـعـة الـعـلاقـة بـي قـوى الأمـة ومـؤسـسـاتـها
19
المـتـعـددة. ويـحـدد الأهـداف المـرحـلـيـة والاسـتـراتـيـجـيـة الـتـي تـسـعـى إلـيـهـا قوى الأمة, وتبلور حقوق وواجبات كل طرف.
ومـن المـؤكـد أن تـنـظـيـم الـعـلاقـة بـي مـخـتـلـف مـكـونـات الأمـة, بـحـاجـة إلـى الـعـديـد مـن الجـهـود والإمـكـانـات, وإلـى ثـقـافـة سـيـاسـيـة جـديـدة, تـأخـذ عـلـى عـاتـقـهـا تـعـبـئـة المجـال الـعـربـي وفـق أهـداف واضـحـة وأسـالـيـب ممـكـنـة وحـضـاريـة. وإلـى إعـادة تـشـكـيـل الخـارطـة الـسـيـاسـيـة والـثـقـافـيـة, بـحـيـث
نصل إلى مستوى حضاري يحكم علاقة السياسي بالثقاف والعكس.
وجـمـاع الـقـول: أن بـوابـة خـلـق الإجـمـاع الـوطـنـي والـقـومـي الجـديـد, هـي تجـديـد الحـيـاة الـسـيـاسـيـة, وتـوسـيـع مـسـتـوى المـشـاركـة فـيـهـا, وتـنـظـيـم قـواعـد التنافس والصراع فيها أيضاً.
والـعـقـد الـسـيـاسـي – الاجـتـمـاعـي الجـديـد, هـو الـذي يـوفـر الأرضـيـة المـنـاسـبـة لـتـطـويـر مـؤسـسـة الـدولـة وتحـديـث هـيـاكـلـهـا الـدسـتـوريـة, وبـنـاء الاقـتـصـاد الوطني ووضع برامج النهوض ف مختلف الميادين والمجالات.
الهوامش
20
1. سـمـيـرالخـلـيـلوآخـرون,الـتـسـامـحبـيشـرقوغـرب–دراسـات ف الـتـعـايـش والـقـبـول بـالآخـر , ص 18 , دار الـسـاقـي , الـطـبـعة
الأولى , بيروت 1992م .
2. القرآن الكري , سورة فصلت , الآية 34 . 3. القرآن الكري , سورة الحشر , الآية 9 . 4. القرآن الكري , سورة النحل , الآية 90 . 5. القرآن الكري , سورة الشورى , الآية 13 . 6. القرآن الكري , سورة يونس , الآية 99 .
21

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى