مايسطرون
2022-05-27

شيطان المقود والقلم


يتميز الرجل الاسباني ب”الذرابة” والرقي في التعامل واحترام حقوق الآخرين بل وتقديمهم والتأخر عنهم فيما يختص بقانون السير وخصوصا إذا كان الآخر قادما من اليمين – على أساس ان احترام وتقديم القادم من اليمين سنة نبوية. طبعا كل هذا صحيح والجميع يشهد بذلك في حالة كونه ماشيا على قدميه. لكن بقدرة قادر يتحول هذا الانسان المهذب والايتيكيت الى كائن آخر عندما يجلس خلف المقود – بالتحديد دركسيون السيارة أيا كان نوعها وموديلها – حيث يعتريه شيطان المقود. أتذكر في بداية فترة عملي في الرياض قبل ١٦ عاما أني كنت أتخوف من السياقة في شوارع الرياض بسبب صدمة انتقالي من بيئة شبه منضبطة في المنطقة الشرقية الى حيث البقاء للأقوى هو شعار القيادة في الشارع. حينها كنت استغرب عندما أعطي إشارة ضوئية بغرض الانعطاف او تغيير المسار لم أكن لأحصل على فسحة او مجال لذلك. بل على العكس وكأن الآخرين في عناد وسباق لعدم إعطائي اي مجال. وبعدها بوقت عندما كنت اشكي الحال للصديق ابو نواف وهو من أهالي الرياض ملأ شدقيه ضحكا وقال: أثرك ما تعرف أهل الرياض ونفسياتهم.
“شلون؟!” سألته باستغراب ودهشة.
فرد علي: اسمع وانا اخوك. صحيح انك تحس هنا السياقة فوضى والكل يسوق على مزاجه ويخالف، بس كل واحد عارف للثاني وقادر يقراه. لذلك يحسب له حساب. مثلا اللي يجي من أقصى اليمين في الإشارة ويعمل يو-تيرن، الكل يخفف له ولا حتى احد يدق عليه هرَن. تدري ليه؟ لان الكل متأكد انه بيسويها غصب عنهم وفوق كذا اي واحد منهم ممكن يكون في نفس الموقف ويسويها في المستقبل. نفس الشي اذا الواحد منا يبغي يغير مسار او يلف، كل اللي عليه يفر الدركسيون ويمشي ولا يحاسب. وقتها الثانيين هم اللي بيخففوا ويحسبوا حسابه لنفس السبب حق خوينا اللي في الإشارة.
نصيحة، اذا تبغي تسلك أمورك سوق زينا و لا تدق إشارة اذا جيت تغير مسار. لأنك اذا دقيت إشارة وقتها يعرفون انك مو من أهل الرياض ويعندون وياك ولا فيه أمل يعطونك مجال.

المقاربة نفسها في الحديث والكتابة. فكما ان البعض اذا جلس خلف الدركسيون يعتريه شيطان المقود، تجد أيضا الشخص المحترم والمهذب واللبق في حديثه والذي ما ان يجلس خلف الكيبورد (لوحة الإدخال او مفاتيح الكتابة للكمبيوتر او الجوال) حتى يركبه شيطان القلم فيتحول الى مخلوق آخر يجسد طبعه الحقيقي ويعبر عن حقيقة مشاعره.
قد يكون السبب هو التعويض عن النقص وعدم التمكن من الالقاء والتحدث بسلاسة وعدم حضور البديهة. وربما يكمن السبب في الإحساس بالتحرر من القيود المفروضة اثناء الحديث كالايتيكيت والاعراف الاجتماعية واحترام الاخر والرقابة حيث إمكانية الرد من الجلساء وتفنيد الرأي في ساعته مما يولد حرجا وخصوصا اذا كان في مجلس مكتض بالجلساء.
هؤلاء ممن يعتريهم شيطان القلم في الغالب يعيشون ازدواجية في الشخصية والأفضل تجنب المجادلة معهم لأنهم لا يكونون في كامل وعيهم اثناء الكتابة وربما لا يدركون حقيقة ما يكتبون. وربما يكون العكس حيث تكون الشخصية المريضة ذات القلم هي التي تمثل حقيقة الشخص الذي يمنعه الخجل الاجتماعي وعقدة النقص من الإفصاح عن حقيقته باللسان.

على الهامش:
‏احيانا يبدو ⁧‫كلوروكس‬⁩ هو الحل لتبييض سواد بعض القلوب، تماما كما نحتاج ⁧‫ديتول‬⁩ لتنظيف بعض الألسن من الألفاظ القذرة. ‬⁩

يعقوب السليس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى