مايسطرون
2022-04-17

العمل الخيري والمجتمع .. رؤية تنموية


حدثني قبل أيام أحد المهتمين بشؤون العمل الخيري في وطننا العزيز ، ودار حديثه حول هموم العمل الخيري وآفاقه العديدة وأدواره الإنسانية وآثاره الحضارية ، ومسئوليات الأطراف المختلفة في دعم وتنمية العمل الخيري في الوطن .

ومما لفت نظري في حديث هذه الشخصية ، تركيزه على مسألة أساسية في هموم العمل الخيري ، وهي وجود فجوة متفاوتة الاتساع والتأثير بين مؤسسات العمل الخيري والمجتمع ، وتأخذ هذه الفجوة صورا وأشكالا عديدة . فهناك شكل ومستوى التفاعل والدعم والإسناد لمشروعات العمل الخيري وضعف النشاط الإعلامي لهذه الأنشطة التي تصل إلى مستويات اجتماعية مختلفة ، وغياب الثقافة التي تحفز الناس بشكل دائم على المشاركة الفعالة في أنشطة المؤسسات والجمعيات الخيرية .

ويبدو لي  أن من المشكلات الأساسية التي تواجه العمل الخيري في مجتمعاتنا هي هذه الفجوة التي تحول بشكل أو بآخر دون تطور مستوى التفاعل الاجتماعي مع هذه المؤسسات الخيرية ، وتجعل من الجهة المقابلة مستوى فعل هذه المؤسسات محدودا .

لذلك فإن السؤال الذي يبرز في هذا المجال هو : كيف نردم الفجوة بين المجتمع ومؤسسات العمل الخيري ؟

نشر ثقافة العمل التطوعي والخيري :

من الطبيعي القول أن للأنشطة الخيرية خلفية ثقافية ودينية ، وهي التي تؤسس للكثير من الحوافــز والعوامل التي تدفع الناس للمشاركة والدعم مع مؤسسات العمل الخيري .

لذلك من الضروري العناية بالبعد الثقافي للعمل الخيري ، والسعي المؤسسي إلى إشاعة ثقافة التضامن والتكافل الاجتماعي ، وتحفز على العمل التطوعي والخيري . لأن هذه الثقافة هي الوعاء الحقيقي الذي يساهم في احتضان الكفاءات الاجتماعية وتوجيهها صوب هذه الأنشطة الإنسانية .  وتساهم هذه الثقافة أيضا في خلق أجيال اجتماعية جديدة مهتمة بالحقل الخيري والتطوعي في المجتمع ، تعتقد بأهمية هذه المؤسسات وأدوارها ووظائفها ، وتشترك بجهدها وإمكاناتها في تطوير هذا الحقل الهام  في وطننا العزيز  .

ولهذا نرى أنه حتى المجتمعات المادية والمتقدمة ، تسعى نحو تفعيل مخزونها الثقافي وتوجيهه نحو العمل الخيري . لهذا نجد  في الولايات المتحدة الأمريكية اليوم (320000) ألف مؤسسة خيرية ، بلغت ممتلكاتها عام 1989م أكثر من 5 ر137 مليار دولار ، وقدمت من الأموال ذلك العام لعمل الخير حوالي 8 آلاف مليون دولار . والشعب الأمريكي بشكل عام في ذلك العام تبرع بحوالي 115 ألف مليون دولار . وبهذا يتضح أن معدل تبرع المواطن الأمريكي بلغ 500 دولار في العام .

والدين الإسلامي الحنيف يحتوي على ثروة هائلة من القيم والمبادئ والتراث التاريخي المليء بصور التكافل والتضامن الاجتماعيين ، وتشجيع الأنشطة الإنسانية والخيرية .

ومهمتنا تتجسد في إعادة تدوير هذه الثقافة ، وإشاعة مبادئ التكافل الاجتماعي ، وبعث النماذج التاريخية في هذا المجال . مؤسسين من  جميع هذه  المسائل ثقافة اجتماعية جديدة ، تعلي من شأن العمل الخيري ، وتحفز الناس جميعا للمشاركة بمستويات متنوعة في دعم وتطوير العمل الخيري .

وينبغي أن نعرف أنه حينما تنتشر هذه الثقافة الاجتماعية الجديدة ، فإن المجتمع سيقوم بمبادرات مختلفة ، ويطور من أدائه في مجال تطوير وتفعيل حقل العمل الخيري والتطوعي في البلاد .

مراجعة الأولويات :

يبدو أنه آن الأوان ، أن تقوم مؤسسات العمل الخيري المنتشرة في وطننا العزيز بمراجعة أولويات عملها ونشاطها ، لأن سر نجاح أي عمل ومنشط ، هو اتجاهه الدائم إلى الأولويات والأهم في أعماله ونشاطه .

والاهتمام بالأولويات هو أحد العوامل الأساسية التي تساهم في تطوير تفاعل المجتمع مع هذه المؤسسات .

والعمل الخيري بكل مستوياته من الأعمال المحمودة ، التي لها آثارها الحسنة والإيجابية في الدنيا والثواب والجزاء الأوفى في الآخرة .

ولكن متغيرات العلاقة بين هذه المؤسسات والمجتمع ، تدفعنا إلى القول بضرورة أن تراجع هذه المؤسسات أولوياتها ، ويبدأ الاهتمام الفعلي والجاد بالهام من الأمور وذات الأولوية ، وترفع عن كاهلها الأنشطة والأعمال التي لا أولوية لها .

وفي تقديرنا أن تحديد الأولوية يتم وفق المعايير التالية :

العناية بالأنشطة والأعمال التي تنسجم وعنوان العمل الخيري الاجتماعي ، الذي تشكلت من أجله هذه الأنشطة والمؤسسات .
الإقبال على الأعمال والمناشط ، التي يتفق الجميع على ضرورة العناية بها للحاجة الفائقة إليها .
العناية بنقاط الضعف الحادة ، والحلقات الضعيفة في المجتمع والتي تتطلب عناية جادة ومسئولة .
حضور البعد التنموي :

لعل من التحديات الكبرى ، والتي تحتاج إلى تفكير عميق ، الإجابة عن سؤال : كيف تشترك المؤسسات والأنشطة الخيرية والتطوعية في مشروعات التنمية الشاملة ؟

ويبدو أن ردم الفجوة بين هذه المؤسسات والمجتمع مرتبط إلى حد كبير بالإجابة السليمة عن هذا السؤال .

لهذا فإن مؤسسات العمل الخيري ، مطالبة بالتفكير العميق في هذه المسألة ، والعمل على تكييف برامجها ونشاطها مع متطلبات التنمية الشاملة .

ولعل من الضروري في هذا الإطار ، التأكيد على ضرورة أن يتحول جزء من نشاط هذه المؤسسات إلى تقوية البنية التحتية للمجتمع ، والعمل على منع حدوث الظواهر الاجتماعية  التي ترعاها ، والتفكير في معالجة هذه الظواهر من أسسها وجذورها ، بمعنى المثل الصيني الذي يقول : ( بدل أن تعطي الفقير سمكة ، علمّه كيف يصطاد السمك ) .

ولابد أن ندرك أن للتنمية الشاملة أبعادا ثقافية وإنسانية ، وعلى المؤسسات الخيرية أن تشترك في إنجاز هذا المشروع . وهذا بطبيعة الحال يتطلب التخطيط والتفكير البعيد والإرادة الصلبة والعمل المتواصل .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى