مايسطرون
2022-03-24

القراءة والإنقاذ من الموت


عندما كانا يبحران سأل أحدهما الآخر هل تفهم في النحو فرد عليه بالنفي، فقال له (إذن فقد ضاع نصف عمرك)، وبعدما انتصفا البحر هبت عاصفة شديدة اهتز إثرها القارب فالتفت الثاني للأول وقال له: هل تعرف السباحة، فرد عليه: لا، فقال له (إذن ضاع عمرك كله)! هذه قصة رمزية لما يمكن وما لا يمكن أن يفيده المرء من العلوم الإنسانية أو العملية.

ورغم أن القراءة هي واحدة من أهم أدوات المعرفة إلا أنها بالفعل ساهمت وتساهم في إنقاذ حياة الإنسان من كثير من المخاطر وذلك بشكل مباشر أو غير مباشر عبر الاكتشافات العلمية وعبر الطب والهندسة، كما إنها قد تساهم أيضا في إنقاذ حياة الإنسان كفرد في معركة الحياة.

فقد ذكر الكاتب ادواردو غاليانو في كتاب حياة الكتابة ( إعداد وترجمة عبدالله الزماي) أنه طبع كتابا تحت عنوان (كرة القدم في الشمس والظل) ساهم في إنقاذ شخص مهم من الموت . فقد تم اختطاف أحد الأعضاء السابقين في الكونغرس المكسيكي وهو (فيكتور كوينتانا) من قبل إحدى العصابات وذلك بسبب قيامه بكشف بعض أعمالهم الإجرامية. وقامت العصابة بضربه وتعذيبه حتى شارف على الموت. (وقبل أن يجهزوا عليه برصاصة، بدأوا النقاش حول كرة القدم. ورغم أن فيكتور كان أقرب إلى الموت منه إلى الحياة فقد أدلى بدلوه في النقاش وانبرى يروي لهم قصصا من كتابي، ومع كل حكاية من تلك الصفحات، كانت ثمة دقائق تضاف إلى حياته. مر الوقت، والقصص تجئ وتمضي. وفي الأخير تركه القتلة، مضروبا ومحطما، لكنه حي. ” أنت في مأمن” قالوا له، وذهبوا بأسلحتهم إلى مكان آخر).

وليست قصة ألف ليلة وليلة ببعيدة عن هذا السياق حيث كان الملك في القصة يتزوج امرأة كل ليلة ويقتلها مع بزوغ الصباح خشية الخيانة، لكنه عندما تزوج شهرزاد (ابنة وزيره) ظلت تروي له قصة كل ليلة دون أن تكملها (وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح)، وكان هذا يبقيها حية لليلة التالية حتى يسمع الملك نهاية القصة وهكذا حافظت على حياتها لمئات الليالي ربما من قراءة من نوع ما أتقنتها.

كما أن قصة الأشخاص الثلاثة الذين وجدهم جنود الحجاج في ليلة حظر للتجول فأخذوهم له لكي يقتلوا لكنه عفا عنهم بسبب ردهم الذي اتشح بالأدب، ليست ببعيدة عن هذا السياق، حيث دفعه ذلك للقول: علـموا أولادكم الأدب فوالله لـولا فصـاحتهم لقـطعت أعـناقهـم.

لكن هل المطلوب فقط البقاء على قيد الحياة أم نكون بالقراءة أحياء فاعلين فيها بين الأمم؟

 

· لا تقرأي كما يقرأ الأطفال لأجل المتعة.. أو كما يقرأ المتفائلون لأغراض التعلم.. لا، اقرأي لإنقاذ حياتك. – جوستاف فلوبير رسالة إلى الآنسة لوغوير دوشانتبي (من كتاب سنة القراءة الخطرة.. كيف استطاع خمسون كتابا عظيما إنقاذ حياتي)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى