مايسطرون
2022-03-21

الداعية وتحدياته الذاتية


يحتل الداعية في الخريطة الاجتماعية للمجتمعات الإسلامية موقعا متميزا و متقدما , بوصفه مبلغا و هاديا و حاثا على الخير و الالتزام بهدي الإسلام و قيمة و مبادئه. و بمقدار هذا الموقع الذي يحتله الداعية في مجتمعاتنا الإسلامية , يواجه تحديات و صعوبات تساهم في عرقله دوره و وظيفته الدينية و الاجتماعية . ولعل من أهم هذه التحديات و الصعوبات هي التحديات الذاتية المتعلقة بالداعية سواء فيما يتعلق بعلمه و قدرته العلمية على تظهير و إيصال قيم الإسلام إلى أبناء المجتمع , أو ما يتعلق بسلوكه و أنماط علاقاته مع أبناء مجتمعه .

و نود في هذا المقال , إبراز هذا الجانب من التحديات و الصعوبات التي تواجه الداعية في مجتمعاتنا الإسلامية .. لأن هناك دعاة لا يحسنون التصرف مع الموقع الذي يتبوءونه و السلطة المعنوية و الاجتماعية التي يمتلكونها . 

فيتعاملون مع الناس بغلظة و شدة و بعيدا عن تسامح الإسلام و رفقه . لذلك يتحول هذا الداعية بحكم سلوكه إلى منفر للناس و طارد لأبناء مجتمعه . لأن القران الكريم يبرز هذه الحقيقة و يقول [ و لو كنت فظا غليظ القلب لا انفضوا من حولك ] فالأخلاق السيئة بطبعها تكون منفرة للناس و طاردة لهم , و إذا ابتلى بها الداعية فإن إننفضاض الناس سيكون أكثر وضوحا . لأن الناس جميعا ليسوا مجبرين على الاستماع أو الالتفاف حول داعية , لا يملك أخلاق فاضلة و يتعامل مع الناس بعجرفة و غرور و تعال . فهو يتحدث من على منبر الدعوة عن أهمية الأخلاق و ضرورة الالتزام على مستوى القول و الفعل بمحاسنها , و لكنه على الصعيد العملي يناقض محاسن و فضائل الأخلاق .. 

و يتحدث عن العطاء و ضرورته في تقدم الأمم و المجتمعات , و لكنه آخر المنضوين إلى قافلة العطاء في أحسن الفروض . 

يدعو إلى الألفة و المحبة و تحمل الأذى من الأهل و الأصدقاء , و لكنه أول من يتعسف في ممارسة سلطته على أهله و محيطه الاجتماعي . و صور المفارقات على هذا الصعيد ليست قليلة , و لكننا نعتقد أن هذه المفارقة هي من أهم التحديات التي تواجه الدعاة في كل المجتمعات الإسلامية . لذلك نجد أن آيات الذكر الحكيم تعيب على أولئك النفر الذين يفصلون بين أقوالهم و أفعالهم , و يعمقون الفصام النكد بين القول و الفعل . إذ يقول عز من قائل [ كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ]..

و لو تأملنا في سيرة رسول الإسلام صلى الله عليه و سلم سنجد أهمية الأخلاق الفاضلة و التحلي بالمناقبيات الأخلاقية , بوصفها من عوامل الدعوة الأساسية . و أن المطلوب دائما من كل الدعاة و أئمة المعرفة و التبليغ الديني الالتزام الدقيق و الواعي بكل فضائل الأخلاق و محاسنه . و إن الدعاة بدون الأخلاق الفاضلة على مستوى القول وعلى مستوى الممارسة و السلوك , سيفقد الكثير من سلطته المعنوية مع الناس . لأن الناس بطبعهم يلتزمون بأقوال من يلتزم بمقتضيات ما يقول . و أي خلل بين القول و الممارسة يكشفه الناس في حياة الداعية , فإنه على الصعيد العملي يقلل من حظوظ الداعية في التأثير و الإقناع . وثمة صراعات ونزاعات علنية , تجري بين دعاة , لأسباب لايمكن أن نسميها إلا أسباب دنيوية , وتعكس هذه النزاعات في بعض جوانبها تراجع مستوى الانضباط الأخلاقي في زمن الخصومة والعداء , بحيث يستخدم الدعاة تجاه بعضهم البعض كل ألوان والتسقيط والتوهين. وعليه فإننا نشعر بأهمية أن يترفع الدعاة عن بعض المشاكل والمصالح ,حتى يتحول الداعية بممارسة فعلية إلى ضمير مجتمعه ,يوقظ الغافل , وينبه الساهي , ويحرض باستمرار على فعل الخير , وطرد كل أسباب الكسل والترهل من الفضاء الاجتماعي . فلا سلطة معنوية لأي طرف في الفضاء الاجتماعي , إلا بتفوق أخلاقي وسلوكي يخرج الداعية من دائرة الأنا الضيقة واللهث وراء المصالح الزائلة .قيمة الداعية الحقيقية في علمه وأخلاقه ,وأي تباين بينهما سيضعف من تأثير الداعية على محيطه ومجتمعه . ونحن إذ نؤكد على ضرورة تطوير الالتزام الأخلاقي في مسيرة الدعاة , ندرك إن ثمة دعاة هم نموذج لما ندعو إليه , من حيث ترفعهم عن الصراعات العبثية , والتزامهم بفضائل الأخلاق في تعاملهم مع أبناء مجتمعهم بصرف النظر عن موقعهم الاجتماعي والاقتصادي .

و هذه الحقيقة تدفعنا إلى ضرورة أن يهتم و يعتني الداعية بأمور و حقائق التزكية , لأن تزكية النفس من الشروط الأساسية لنجاح الداعية في مشروع دعوته . لذلك نجد في العديد من الآيات القرآنية ثمة تلازم بين فعل التزكية و فعل التعليم . و إن المطلوب دائما تكامل فعل التزكية مع فعل التعليم . إذ يقول تبارك و تعالى [ هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته و يزكيهم و يعلمهم الكتاب و الحكمة و إن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ] ( الجمعة الآية 2 ) .. 

  و تعلمنا تجربة الرسول صلى الله عليه و سلم , أن الإنسان وهو يقترف من علم الإسلام و معارفه , عليه أيضا أن يلتفت إلى تزكية نفسه و تهذيبها و ضبط نزعاتها الحيوانية . فيا دعاة الإسلام تعاليم الدين الإسلامي الحنيف تحثنا و تدعونا إلى كره المعصية لا كره العاصي , و إلى كره الذنب لا كره المذنب و إلى كره الفقر لا كره الفقير . 

سيبقى العاصي و المذنب فضاء للهداية و الإرشاد و دعوته إلى التوبة و التخلص باقتناع عن ذنوبه و معاصيه . 

و سيبقى الفقير محل الدعم و الإسناد و المساعدة . هذا ما تعلمنا إياه تعاليم الإسلام , أما كره و بغض العاصي بفعل معصيته , فإنه يؤدي إلى إصرار العاصي على معصيته . و المطلوب دائما فك الارتباط بين الذنب و المذنب , و بين العاصي و المعصية . الذنوب هي محل امتعاض و طرد من الفضاء الاجتماعي . أما المذنب فهو محل الرفق و الرأفة لنقوده بأخلاقنا للتوبة عن ذنوبه . 

المعاصي ينبغي أن نحاصرها و نجفف منابعها للحؤول دون أتساعها و انتشارها , أما العاصي فينبغي أن نستمر في دعوته و إرشاده للإقلاع عن معاصيه . 

و الداعية الذي يقوده كرهه للمعصية إلى كره العاصي , فإنه يقع في مطب طرد الناس بسلوكه من رحمة الله سبحانه و تعالى . 

و الداعية الذي يحارب المذنب دون الذنب , فإنه يساهم بوعي أو بدون وعي في إدخال المجتمع في أتون مشاكل و أزمات عبثية , تزيد من ضعف المجتمع و تآكله الداخلي . 

و عليه فإذا أراد الداعية في مجتمعاتنا الإسلامية , أن يعزز دوره الديني و الاجتماعي , فعليه بالتخلص من تحدياته الذاتية , و على رأسها الفصام بين القول و الفعل , و التحلي بفضائل الأخلاق , و ينطلق في مشروع دعوته , من محبته للناس , لكي يأخذ بأيديهم برفق نحو الخير و الصلاح بعيدا عن الشطط و أخذ الناس بالقسر و القهر . 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى