مايسطرون
2020-05-13

ضد التطرف


إن التطرف يؤدي بصاحبه إلى الشدة، وتستولي عليه روح الضيق بالمخالفين، ويسارع إلى اتهامهم في أفكارهم ونياتهم وأخذهم بالشبهة وسوء الظن. وحين يسود التطرف تستباح الحقيقة، ويزيف الواقع، وتنتهك السمعة والكرامة، ويرجم أصحاب الرأي المخالف.
ثمة مفارقات عديدة، يشهدها الواقع الدولي بكل مستوياته وحقوله.. حيث التطورات العلمية والتكنولوجية المذهلة، والتي أنهت الكثير من المشكلات، وألغت الفواصل الجوهرية بين الزمان والمكان، ووفرت إمكانات نوعية للإنسان على مختلف الصعد. ولكن في مقابل هذا التطور العلمي المذهل والمتسارع، تبرز على السطح وفي الواقع الدولي برمته مشكلة وأزمة التطرف
والإرهاب، حيث عمليات القتل والتدمير على أسس الهوية أو الانتماء الأيدلوجي أو العرقي أو القومي أو ما أشبه.
حيث أننا نرى في هذا العالم، تطورت عملية يومية، وتتقدم بمتواليات هندسية، كما نشهد حركة تطرف وتعصب تجتاح مناطق العالم، وتهدد استقرار وأمن الإنسانية كلها. حيث أن الكثير من الصراعات والمواجهات العسكرية والسياسية والاقتصادية، هي في أحد أبعادها من جراء هذه الظاهرة التي أضحت اليوم تهدد واقع السلم والتعايش الإنساني.
لذلك فإننا نقف ضد التطرف الذي يمارس الإرهاب والقتل والتصفية المعنوية والمادية ضد الآخرين من أي جهة صدر، أو تحت أي يافطة تم القيام به. فالتطرف والإرهاب من الجرائم الكبرى التي تتعرض إليها اليوم العديد من الأمم والشعوب.
وإن كل الشرائح السماوية والمواثيق الإنسانية، تقف موقفا سلبيا من هذه الظاهرة، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تقبل بخيار العنف والتطرف والإرهاب لإنجاز أهدافها ونيل حقوقها. وذلك لأنها ظاهرة ضد الحياة والإنسان، ولا تنسجم ومبادئ الشرائع السماوية والمواثيق الإنسانية. كما أنها ليست علاجا لأي مشكلة، بل على العكس من ذلك تماما، حيث أن التطرف والإرهاب يفاقم المشكلات ويزيد من الإرباك والتدهور. لذلك فإننا على المستوى المبدئي والأخلاقي والسياسي، نقف ضد ظاهرة التطرف والإرهاب، وتعتبر هذه الظاهرة من المخاطر الجدية التي تواجه راهننا، وتهدد الكثير من منجزاتنا واستقرارنا. ودائماً التطرف في كلا الاتجاهين (الحب والبغض)، يصادر الحقيقة، ويشرع للإقصاء والاستبداد.. هذا تطرف يدعي لصاحبه من حيث يشعر
أو لا يشعر أنه الناطق الأوحد باسم القيم والدين.
فالتطرف يحرم الناس المشاركة في صنع الحقيقة والمعرفة، ويصادر منهم الحق في الاختلاف.
له وحده (المتطرف) الحق في أن يخالفهم، وليس لهم أي حق في إبداء رأي مخالف له. فليس من حق أحد (كما يعبر الأستاذ فهمي هويدي) أن يقف أمام الملأ ويقول: أنا الإسلام! ليس من حق أحد ان يتحصن بكتاب الله، ثم يعلن علينا من ورائه أن من نصره وأيده فقد دخل في زمرة المؤمنين الصالحين، ومن خذله أو عارضه فقد خرج على كتاب الله، وصار من أعداء الله المارقين!، ليس من حق أحد أن يزعم بأنه يتمتع بحصانة إسلامية خصته بها السماء من دون كل المسلمين، فرفعته فوق كل
الرؤوس، ونزهته عن النقد والسؤال، وأحاطته بسياج من العصمة والقداسة.
إن التطرف يؤدي بصاحبه إلى الشدة، وتستولي عليه روح الضيق بالمخالفين، ويسارع إلى اتهامهم في أفكارهم ونياتهم وأخذهم بالشبهة وسوء الظن. وحين يسود التطرف تستباح الحقيقة، ويزيف الواقع، وتنتهك السمعة والكرامة، ويرجم أصحاب الرأي المخالف.
لأن التطرف في العلاقات الإنسانية يجعل صاحبه منفصلا بشكل دائم عن الذات ومبررا لكل ما يصدر عنها، منتقدا غيره متهما إياه جارحا لكل ما يصدر عنه. وادعاء اليقين والإمساك بالحق والحقيقة، لا يبرران بأي حال من الأحوال، فرض قناعاتك ويقينك على الآخرين. إن الإنسان لا يمتلك تجاه يقينه وقناعاته إلا الدعوة لها والتبشير بها، ولكن بدون افتئات وتعسف. فالالتزام
الأيدلوجي ليس مبررا حقيقيا لممارسة القهر والاضطهاد والقوة تجاه الآخرين والمغايرين.
فالتطرف لا يقود الى نتائج إيجابية على الصعيدين الفردي والجماعي. ولم يسجل لنا التاريخ تجربة تمكن التطرف أن يوصل صاحبه إلى الغاية المنشودة. بل إننا نمتلك العديد من النماذج التاريخية المعاكسة، حيث أن التطرف فاقم من الأزمات والمشكلات،
ضد التطرف
وأدى إلى استفحال الأوضاع سو ًءا. فالتطرف وإن استطاع في بعض النماذج والأماكن، أن يحقق بعض المكاسب المرحلية، إلا أنه سرعان ما تحولت هذه المكاسب إلى هزيمة وانتكاسة استراتيجية.
فالإصلاح والتطوير في الواقع الاجتماعي والإنساني، لا يتحقق عبر العنف والتطرف والإرهاب. بل على العكس من ذلك، حيث أن الإرهاب يساهم بشكل أو بآخر في قضم مكاسب الراهن بدل أن يضيف لها. فلا يكفي إذن أن نلعن التطرف، ونبين مساوئه، وإنما من المهم أن نعمق في نفوسنا ومحيطنا الاجتماعي وفضائنا الثقافي أسس وحقائق الاعتدال والتسامح. وذلك لأن بعضاً من الناس الذين يلعنون التطرف هم يمارسونه في دوائرهم المتعددة، وذلك لأن حقائق الاعتدال والتسامح لم تتمكن من نفوسهم، ولم
تكن جزءا من نسيجهم الثقافي والاجتماعي.
فالمعتزلة في التاريخ كانوا أصحاب نظر عقلي، وقد حاولوا إقامة معارفهم وأفكارهم على أسس عقلية، لكنهم حينما استلموا الأمور، انقلبوا إلى أناس متشددين متطرفين، فسجنوا من لم يؤمن بخلق القرآن كالإمام أحمد بن حنبل، وعذبوه، وع ّرفوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأن من واجبهم قهر كافة المسلمين بقوة السيف، والإكراه على الإيمان بأصول الاعتزال الخمسة،
لذلك فإن العبرة بالممارسة والسلوك العملي الخاص والعام.
وبدون تزكية النفس وبناء حقائق الاعتدال والتسامح، لن نتمكن من التخلص من ربقة التطرف وأسار الإرهاب. والاحترام العميق للآخر وجودا ورأياً، هو أحد المعايير الأساسية لعملية التخلص من ربقة التطرف ومتوالياته النفسية والسلوكية.
وإذا كنت جازما من قناعاتك، فإن طريقك لدعوة الآخرين إليها، هو التسامح واحترام حريات الآخرين.
وليس ممارسة الفرض والتطرف تجاههم. وذلك لأن التطرف ينفر الناس ويبعدهم عن قناعاتك وأفكارك. والتسامح واحترام الآخرين، يقربهم إليك، ويوفر مناخا نفسيا واجتماعيا لاكتشاف إيجابيات أفكارك وآفاقها الإنسانية.
فالتعدد والتنوع والاجتهادات المتواصلة، هو الذي يمكننا من إدراك عمق الأشياء، ويخرجنا جميعا من الرؤية النمطية والجامدة للذات والآخر.
وهنا من الضروري أن نوضح حقيقة أساسية وهي: أن التسامح لا يعني بأي حال من الأحوال التفلت من القيم أو الميوعة في الالتزام بمقتضياتها، وإنما يعني أننا في مقام العمل والتطبيق في الحياة، نرى في رؤية الآخرين تتميما وتعميقا لرؤية الذات وقناعاتها. وبذلك نتجاوز حالة ادعاء امتلاك واحتكار الحقيقة، كما لا نمارس تجاه الآخر أي عملية إقصائية. بل إننا نرى ذاتنا في مرآة الآخر، ولا يمكن فهم الذات بشكل عميق إلا من خلال فهم الآخر وإدراك أفكاره وقناعاته، وبالتالي فلا بديل أمامنا إلا
التسامح تجاه بعضنا البعض وتنمية أنماط التواصل والتعايش فيما بين المجموعات البشرية.
وعلى هدى هذا نقول: إن التطرف الفكري والغلو الأيدلوجي، يناقض في ذاته ومتوالياته حقيقة الذات والتحامها بالآخر. لذلك فإننا نرفض هذه المظاهر، ونعتبرها من الظواهر الشاذة، والتي تعبر عن خلل نظري أو واقعي أدى الى تبني هذه الخيارات العنفية والمتطرفة، والتي لا تفضي إلا إلى المزيد من الانحدار والتراجع والانهيار.
وإننا وحتى ننسجم ومتطلبات قيمنا، ونصل الى تطلعاتنا وأهدافنا المشروعة، بحاجة إلى الالتزام بمقتضيات الوسطية والاعتدال، والتي تنبذ التشدد والغلو كما لا تخضع لحالات الجهود والترهل والكسل الفكري والاجتماعي.
فالدعوة إلى الإسلام، لا يمكن أن تكون عبر إلغاء قيمة في العدالة والوسطية. وإنما عبر الالتزام الخاص والعام بقيم الإسلام ومثله العليا.
والإسلام في كل أحواله وأوضاعه، لم يشرع للإنسان قتل الأبرياء والنساء والأطفال باسم الدين. وذلك لأن نفس الإنسان مصانة ومعصومة، ولا يجوز التعدي عليها تحت أي مبرر كان.
لذلك فإن الخطوة الاولى في مشروع نقد التطرف وتجاوز مخاطره، هو مواجهة النزعة الآحادية – الاقصائية، وذلك عبر إرساء معالم حياة ثقافية – اجتماعية تهتم باكتشاف الآخر، ومعرفة أفكاره ومقولاته بعيداً عن المسبقات الأيدلوجية والفكرية.
ولنتذكر جميعاً، أن صدر الإسلام يتسع لاختلاف الآراء والاجتهادات، فلا نضيقه بأهوائنا ونوازعنا الذاتية السيئة. فلابد لنا أن ندير اختلافاتنا بصفاء قلب وعفة لسان وحرص متبادل على صون الكرامات وحفظ المودات، وأن نبتعد عن قوارص الكلم وفنون التجريح والتشهير والإسقاط وكل ما يسبب ويؤدي الى شحن النفوس بالضغينة والبغضاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى