مايسطرون
2020-05-09

العرب وضرورات المرحلة


إن الأوضاع العربیة، ومن أجل أن تتجاوز ثغراتها ونقاط ضعفها، بحاجة إلى محور تنطلق منه، وذلك لتقویة الواقع العربي أمام تحدیات المرحلة. ثمة حقیقة سیاسیة – استراتیجیة ینبغي الاستناد إلیها حین تحلیلنا وتأملنا في مسار التسویة في منطقة الشرق الأوسط. ومفاد هذه الحقیقة، أن الكیان الصهیوني دخل مشروع السلام الإقلیمي ضمن رؤیة استراتیجیة تسعى نحو اغتنام الفرصة المواتیة لتثبیت المشروع الصهیوني في المنطقة. حیث العرب یمرون بأوضاع سیاسیة واقتصادیة ضعیفة ومبعثرة جراء تداعیات كارثة الخلیج الثانیة، وتوفر غطاء دولیا وظروفا عالمیة مواتیة للانخراط في مشروع التسویة. كما أن المعطیات السیاسیة والعسكریة والاستراتیجیة تصب في مصلحة هذا الكیان. لكل هذه العناصر والمؤشرات، قبل الكیان الصهیوني بالانخراط في مشروع التسویة ضمن رؤیة استراتیجیة، ترى أن الظروف كلها مواتیة للاستفادة القصوى من میزان القوى المختل لصالح تثبیت مشروعها الاستیطاني في المنطقة. ومن خلال یومیات مشروع التسویة خلال عقد كامل ویزید، نجد أن العقلیة الأمنیة والعسكریة هي السائدة في التفكیر الإسرائیلي. والتحولات السیاسیة في المجتمع الإسرائیلي، تجري على قاعدة هواجس تلك العقلیة، وأي النخب والقوى القادرة على ضمان أمن الكیان الصهیوني بتنازلات شكلیة ومحدودة. ولاشك أن الانخراط في مشروع التسویة، سواء من الجانب العربي أو الإسرائیلي، فإنه یترتب على ضوئها احتمالات وترتیبات یتوجب وضعها في الاعتبار عند كل الأطراف. وفي الإطار الصهیوني یبدو أن المشكلة العمیقة التي تواجه مجتمع الكیان، هي قدرته على الحفاظ على وحدة المجتمع مع انكشاف أزمة الفكرة الصهیونیة كنظریة جامعة مرتكزة على تعبئة المجتمع حول عمود فقري یمثله الجیش. هذا الخطر على الوحدة الوطنیة تم التنبؤ له باكراً، في دوائر التفكیر الاستراتیجي الصهیوني. فبعد حرب عام 1967م صدر كتاب للباحث الإسرائیلي )شاول فرید لندر( بعنوان )إسرائیل في مواجهة خطر السلام(، وواجهت إسرائیل بعد ذلك خضات داخلیة عنیفة بعد اجتیاح لبنان عام )1982م( والمجازر التي ارتكبت في مخیمي صبرا وشاتیلا، ولم تعد الأمور إلى طبیعتها في المجتمع الإسرائیلي آنذاك إلا بعد انسحاب الجیش الإسرائیلي إلى الشریط الحدودي. وأبان رئاسة )بنیامین نتنیاهو( للوزراء في إسرائیل، كان المشروع متجهًا نحو تجمید الجبهة العربیة – الإسرائیلیة، واستبدالها بجبهات داخلیة في كل دولة عربیة. على أن یبدأ الصراع بین مؤیدي الاتفاق ومعارضیه لیتحول فیما بعد صراعًا أهلیًا على قاعدة العصبیات الطائفیة والأثنیة المعروفة، وتكون الفتنة العربیة – العربیة هي الضامن للسلام العربي – الإسرائیلي.
وفي الإطار العربي، فغایة ما كان یطمح إلیه أي بلد عربي عند انطلاق عملیة التسویة، هي الحفاظ على الذات نظامًا وكیانًا وتخفیف الخسائر قدر الامكان، بحیث لا یأتي الحل على حسابه بدرجة لا یحتملها. خصوصًا أن المنطقة بأكملها بدت مقبلة على مزید من الصراعات الداخلیة تحت عباءة السلم العام وحل النزاعات الاقلیمیة: حروب داخلیة بأشكال وعناوین مختلفة بین الأنظمة ومجتمعاتها وفي ما بین قوى المجتمعات نفسها. انطلاقًا
من تناقضاتها الحقیقیة أو المفتعلة وخصوصًا في ظل غیاب الدیمقراطیة واحترام حقوق الإنسان. هذا الاستسلام للواقع، لا یوفر ح ًلا للمشكلة، بل هو الذي قاد النخب السیاسیة والعسكریة الإسرائیلیة للمزید من التصلب للحصول على أكبر قدر من المكاسب. ومجيء الارهابي )شارون( إلى رئاسة الوزراء، لیس بعیداً عن هذا التصور، بل هو من صمیمه، ومن طمع النخب الصهیونیة في تسجیل انتصار تاریخي على العرب.
والحفاظ على الذات لا یتم بكسب الوقت أو التركیز على الشكلیات. إن أبسط معاني التفاوض، یفترض وجود مشروعین متقابلین یبحثان عن تسویة في ما بینها )ولكن في حقیقة الأمر هناك مشروع إسرائیلي للتسویة ولا یوجد مشروع عربي لذلك(. ولعل هذه الحقیقة، هي التي تفسر الاخفاقات الفلسطینیة والعربیة المتتالیة في تحسین شروط التفاوض. وإن الخروج من هذه الحالة، یفرض على العرب صوغ مشروع سلام عربي، وفي غیابه تفقد المفاوضات والمباحثات معناها السیاسي والنضالي. وإن النظر الهادئ والموضوعي في مجریات الأمور، یظهر أن القوة الأساسیة في الموقف الصهیوني كانت مستمدة من ضعف الموقف العربي. ولم یعد خافیًا على أحد، انه لا مصلحة عربیة في وجود مفاوضین متعددین أمام طرف إسرائیلي واحد. فالمطلوب هو وجود مشروع عربي واحد للسلام. یبدأ بالتنسیق وبلورة رؤیة عربیة واحدة على قاعدة أن العرب جمیعًا معنیون قبل غیرهم باقتراح التصور المستقبلي للمنطقة، وبوضع تصور لمستقبلهم الخاص. فالسلام لا یعني شیئًا ایجابیًا، إذا كان مجرد استجابة عاجزة لخطة الآخر الأقوى. كما أن مضمون عملیة السلام ومآلهالیساقدراًمقدراً،وإنمایتحددانفيضوءاستعداداتناللمشاركةفيرسممعالمالمستقبل. وإن الخطة التي بدأ بتسویقها مساعد وزیر الخارجیة الأمریكي )ولیام بیرنز( المسماة بـ )خریطة الطریق(، ینبغي أن لا تدفعنا إلى الاعتقاد بأن الأمور سائدة في اتجاه السلام، وأنه لم یعد ثمة مكان في الواقع القائم للبحث عن حل عربي للصراع. إن ما جرى على الشعب الفلسطیني من ارهاب وقتل وتدمیر لكل شيء، قد یشكل فرصة لاعادة النظر في عملیة التسویة في اتجاه تحسین الشروط العربیة وضمان المستقبل. ولعل من الضروري في هذا الإطار البحث عن اجابة وافیة للسؤال التالي: هل في امكان التضامن العربي الرسمي والشعبي مع الشعب الفلسطیني، أن یتطور في اتجاه صیاغة مشروع سلام عربي؟ وما هي الشروط الواجب توفرها لتحقیق هذه النقلة النوعیة. وإن الحدیث الدائم عن ضرورة السلام ووقف الارهاب والعنف واستمرار الضغوط الدولیة في هذا الإطار، ینبغي أن لا یدفعنا إلى الاستسلام واعتبار عملیة التسویة بهذه الكیفیة والوضعیة قدراً مقدراً. وإنما لا بد من الانخراط الجاد في توفیر كل شروط ومقومات بناء رؤیة وموقف ومشروع عربي لمسألة الصراع في الشرق الأوسط.
وهذا الانخراط الجاد، ینبغي أن ینطلق من حقیقة أن جمیع العرب من دون استثناء هم موضوعیًا في موقع المتضرر من غیاب الاستعدادات العامة والنوعیة لمواجهة تحدیات المرحلة المقبلة واستحقاقاتها، التي لن ترحم وضعًا عربیًا مفككًا واستعدادات ضعیفة. وإن العرب الیوم أحوج ما یكون إلى ترتیب أوضاعهم الداخلیة وتطویر مستوى التضامن والتعاون مع بعضهم البعض، حتى یتمكنوا من مواجهة استحقاقات المرحلة القادمة. ومن أجل الوصول إلى هذا الواقع، من الضروري التأكید على النقاط التالیة: 1- إن النظام العربي الرسمي، ولمسوغات ومبررات عدیدة، هو بحاجة إلى عملیة تجدید وتفعیل لهیاكله ومؤسساته. حتى یمارس دوره ووظیفته المأمولة في تطویر العلاقات العربیة – العربیة على مختلف المستویات، وتطویق بؤر الاختلاف والنزاع، والعمل على تفعیل كل المواثیق والاتفاقات العربیة، من تطویر مستوى التجارة البینیة، إلى منظمة العدل العربیة التي تأخذ على عاتقها حل الخلافات والنزاعات العربیة، وانتهاًء بسوق عربیة مشتركة، تساهم في تطویر الاقتصادیات العربیة وامتصاص واستیعاب واستثمار الثروات والقدرات في مشروعات ذات طابع انتاجي وحیوي. وعلى كل حال، فإن ظروف المنطقة والعالم، تدفعنا إلى الاعتقاد بضرورة تفعیل النظام العربي الرسمي، حتى یمارس دوره تجاه تحدیات واستحقاقات المرحلة. 2- إن العالم العربي وبفعل القواسم المشتركة الكبرى والعمیقة، التي تجمع بین شعوبه ومجتمعاته، بحاجة أیضًا إلى مبادرات عربیة نوعیة تفتح المجال واسعًا، أمام تطویر العلاقات الشعبیة بین شعوب العالم العربي. إذ ان تمتین الجبهات العربیة الداخلیة، ورفع وتیرة ومستوى التضامن والتعاون، بحاجة إلى مشروع عربي شعبي، یأخذ على عاتقه تطویر مستوى التواصل بین شعوب العالم العربي، وزیادة حركة التبادل والتعارف والتعاون في مختلف المجالات. ولابد أن ندرك في هذا الإطار: أنه في الكثیر من الأحیان، قد تكون الدبلوماسیة الشعبیة أجدى نفعًا وأكثر قدرة على انجاز مفهوم التضامن والتعاون بین الدول العربیة جمیعًا. 3- إن الأوضاع العربیة، ومن أجل أن تتجاوز ثغراتها ونقاط ضعفها، بحاجة إلى محور تنطلق منه، وذلك لتقویة الواقع العربي أمام تحدیات المرحلة. وفي تقدیرنا أن نقطة البدایة في مشروع تطویر الأوضاع العربیة، هو العمل على تطویر علاقة الهیاكل الرسمیة بالمواطن العربي. وذلك عبر الانصات إلى حاجاته الملحة والعمل على توفیرها وتحقیقها، وانجاز أمنه السیاسي والاجتماعي والاقتصادي، ووجود إطار قانوني یستند إلیه في مختلف مراحل حیاته بأطوارها المتعددة، والعمل على اشعاره بوسائل حضاریة بدوره المركزي في عملیة التنمیة والبناء. إن إصلاح الأوضاع العربیة، لا یمكن أن یتحقق دفعة واحدة، وإنما هو بحاجة إلى محور یرتكز علیه في عملیة التطویر والاصلاح. وفي تقدیرنا أن هذا المحور هو المواطن العربي. إذ ان توفیر نظام یجمع بین حقوق المواطن العربي وواجباته، هو السبیل إلى انجاز الخطوة الأولى في مشروع اصلاح وتطویر أوضاعنا العربیة.
وجماع القول: ان الظروف جد حساسة على مختلف الصعد، وهي بحاجة إلى إرادة وحكمة لتجاوز كل المخاطر المحدقة ومجابهة كل التحدیات بعزة واقتدار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى