مايسطرون
2020-05-05

في تحولات العولمة


إن منطق التحولات الكبرى التي تجري في العالم الیوم، تفرض علینا ومن مواقعنا المتعددة، العمل على توطید أسس وقیم الحوار الداخلي في الدائرتین العربیة والإسلامیة. كما تفرض علینا تحذیر أسس التفاهم والتلاقي بین كل مكونات الأمة ثمة آفاق وتحدیات عدیدة تطلقها وتفرضها مسیرة التحولات والتطورات التي تجري في العالم الیوم وعلى مختلف المستویات. ولا یمكننا كمجتمعات من اغتنام الفرص والقبض على هذه الآفاق ومواجهة التحدیات مواجهة حضاریة وإیجابیة،إلا بتطویر أوضاعنا وإصلاح مكامن الخلل في مسیرتنا العامة، وتجاوز كل ما یحول دون الانخراط الفعال في مسیرة التحولات والتطورات العالمیة. لهذا فإننا مطالبون بتطویر ذواتنا ومؤسساتنا و إمكاناتنا، وإصلاح أوضاعنا السیاسیة عبر الدخول في مسار الدیمقراطیة، والالتزام بمقتضیاتها على مختلف الصعد. وإن هذا الخیار، هو الذي یؤهلنا للقبض على آفاق هذه التحولات والتطورات، وهو الذي یوفر لنا أسباب المواجهة الایجابیة للتحدیات والمخاطر. التحولات والحریة: وتفرض التحولات الكبرى التي تجري في المسارات الإنسانیة كافة، تثبیت قیم الحوار والتلاقي والتفاهم والتعاون والتضامن في داخل المجالین العربي والإسلامي، إذ لا یمكننا أن نستوعب التحولات أو نستفید من التطورات وأوضاع الداخلیة مشرذمة ومفتتة و منقسمة على ذاتها. إن منطق التحولات الكبرى التي تجري في العالم الیوم، تفرض علینا ومن مواقعنا المتعددة، العمل على توطید أسس وقیم الحوار الداخلي في الدائرتین العربیة والإسلامیة. كما تفرض علینا تحذیر أسس التفاهم والتلاقي بین كل مكونات الأمة الفكریة والسیاسیة ولا یمكن أن یتطور مشروع الحوار مع الآخر الحضاري. إذا لم یتعمق ویتجذر خیار الحوار الداخلي. فالحوار قیمة إنسانیة وحضاریة كبرى تتجلى في الدوائر والمجالات كافة. والممارسة الانتقائیة لهذه القیمة، لا تفضي إلى ممارسة سلیمة، ولا یجعلنا كمجتمعات نرسي دعائم الاستقرار السیاسي الداخلي في البلدان العربیة والإسلامیة، وإن الإیمان بالذات هو الذي یصنع الإیمان بالآخر. وإن الأزمة في التعبیر عن الذات المسلمة الیوم، هویة وإبداعا، تقود إلى الأزمة في إدراك قیمة التعددیة فض ًلا عن وضع تصور لها. فكثیراً ما یقنع الخطاب الإسلامي بمعالجة تجلیات الأزمة دون التوغل في تعقیداتها المعرفیة والمنهجیة. إن النظر إلى عوائق فهم الذات ینقل وعینا بالتجلیات إلى أسسها. فعدو الحریة الخارجي من ظلم واستبداد وجهل، إنما یكمن في وجهه الخفي والأخطر داخل أنساق تربیتنا الحسیة والذهنیة، وخلف أزمة الحریات والتعددیة السیاسیة یقبع في نفوسنا شبح الإقصاء والتكفیر الذي یهدد كیاننا بالوهن وإضعاف القدرة على التواصل الداخلي، الذي هو قوام أي تواصل مع الآخر من خارج حضارتنا”
فإطلاق الحریات السیاسیة والثقافیة، هو الذي یوفر الأرضیة والظروف الموضوعیة المؤدیة إلى استیعاب تحولات العالم، وتوظیف تطوراته، بما یخدم قضایانا الإنسانیة والحضاریة. فالإلمام بمفردات التحولات وحركة العصر، بحاجة دائما إلى الاستناد إلى قوانین التاریخ وقواعد التطور الإنساني. وبدون ذلك یبقى النظر إلى التحولات وكأنه لهاث لا یوصلنا إلى هدف، ولا یقینا من مطبات ومنزلقات، ولا یخرجنا من هامشیتنا في
حركة التاریخ المعاصر. والحریة بكل آفاقها ومتطلباتها، هي التي تعید لنا جمیعا فاعلیتنا الحضاریة وفعلنا النوعي في مسیرة الإنسانیة والتاریخ. وحمایة الذات وتحصینها، هي بحاجة دائما إلى بناء القوة الحضاریة، التي توفر كل أسباب الحیویة والفعالیة في الاجتماع الإسلامي. وكل الخیارات المتاحة في مجالنا وفضائنا أمام تحدیات العولمة تنعدم وتتلاشى، حینما نفقد القدرة على ممارسة حریتنا، وتجمیع إرادتنا الجمعیة، وتكاتف طاقاتنا مع بعضها البعض. فتوظیف التحولات الكبرى، بما یخدم قضایانا الحضاریة والإنسانیة ، یتطلب وجود الإنسان والمجتمع الحر، الذي یتمكن من إدارة تنوعه بعقلیة حضاریة، وتكثیف جهوده وإمكاناته في أطر ومؤسسات، تتجاوز الأنا الضیقة، وتنقح على رحاب الجماعة والفعل المؤسسي بكل آفاقه ومتطلباته. متطلبات عصر العولمة: شهدت البشریة خلال العقدین الماضیین، الكثیر من التطورات والتحولات طالت كل شيء تقریبًا، بحیث دخلت الإنسانیة في مرحلة تاریخیة جدیدة على مختلف الصعد والمستویات، صحیح أن بعض المجالات والمناطق لم تطالها حركة التحولات بشكل سریع ومباشر، إلا أن وتیرة التحولات وتصاعدها الهندسي، سیفضي في المحصلة النهائیة إلى أن تطال هذه المسیرة جمیع المجالات والجوانب. فالموجات المتلاحقة من التطورات، تتطلب حیویة فكریة وسیاسیة عربیة وإسلامیة، حتى یتسنى لنا جمیعا الاستفادة من هذه التطورات، وتأسیس قواعد وأطر مجتمعة، تعتني بحركة التحولات وترصد مسیرتها، وتوضح سبل وأولیات الانطلاق على ضوئها. وحركة التقدم والتطور والتجدید في المجال الإسلامي مرهونة، إلى حد كبیر قدرة هذا المجال على توفیر حقیقة الاستقرار والمجتمعي وقوامه حریة الإنسان وتماسك الجماعة والاجتهاد وتطویر مؤسسات البحث والتفكیر وصیاغة ثقافة سیاسیة جدیدة لاتنحبس في قوالب ماضویة ولا تلغي خصوصیة أوضاعنا، ولا تقفز في المجهول وإنما تبني حیاة سیاسة جدیدة ترتكز على إطلاق الحریات السیاسیة لكل القوى والمكونات لكل القوى والمكونات، وإدارة الاختلاف والتنوع بعقلیة الحوار والاستیعاب، لا بعقلیة الصمت والإلغاء. ودون ذلك سیبقى تأثیر التحولات الحضاریة والإنسانیة التي تجتاح المعمورة وكأنها فقاعات ورغاوي لا تزیدنا إلا وهما وابتعادا عن المسیرة السلیمة في بنك واقعنا على أسس الحریة والمعرفة. فمواجهة تحدیات العولمة، تقتضي منا جمیعا، وكل من خندقه وموقعه، إلى المشاركة الجادة في عملیة البناء الداخلي وتطویر الدیمقراطیة وقیم الحریة وحقوق الإنسان في الفضاء العام. وإن العجز تجاه تمثل هذه القیم والمبادئ، مهما كانت أسبابه، سیلقي بظلاله الكئیبة على العالمین العربي والإسلامي، حیث تستفحل الأزمات والمشكلات، وتتعاظم الاختناقات، ویضیق هامش الخیارات والمسارات، وتتفاقم كل أسباب الخروج من العصر.
فعصر العولمة یتطلب منا، إرادة إنسانیة مستدیمة، تتجه صوب طرد كل معوقات الانكفاء والانعزال والهامشیة، وتبني كل حقائق الحضور والشهود. وروحیة جدیدة تمتص كل المكاسب، وتستوعب كل المنجزات، وتزیل من طریقها ومسارها كل الكوابح التي تحول دون توظیف مكتسبات العصر، وثقافة تعلي من شأن الإنسان وحقوقه، وتصون كرامة ومكتسباته، وتجذر وتعمق خیارات الحوار والتعددیة والتسامح بدل العنف والاقصاء والأحادیة، ونظاما سیاسیا، یستند في إدارته وحكمه على مبدأ المشاركة وتداول السلطة وإرساء دعائم الدیمقراطیة في الحیاة العامة. وإن الظفر بمكاسب التكنولوجیا وثورة المعلومات والاتصالات، یتطلب منا كشف قوانین هذه المكاسب وسننها، لأن هذا الكشف، هو الذي یوفر لنا القدرة على توظیفها بما یتلاءم وقضایانا وحاجاتنا الملحة. وإن هذه التحولات والتطورات التي تطال كل شيء، ینبغي أن تحیلنا إلى وعینا النقدي، وتطور استعداداتنا الإنسانیة في المساءلة والمراقبة وإعمال العقل، وذلك لأن غیاب الوعي النقدي مع زخم التحولات وتطوراتها المتسارعة، لا یجعلنا نوفر الأسباب والعوامل الذاتیة التي تؤهلنا للانخراط النوعي في مسیرة العالم والعصر. فوعینا النقدي وتنمیة استعداداتنا في المساءلة وإعمال العقل، هو
القادر على توفیر إمكانیة إنسانیة جدیدة للتعامل الخلاق والمبدع مع منجزات العصر ومكاسب الإنسان. والمجتمع الذي تضمحل فیه إمكانیة ممارسة النقد والمساءلة. لا یستطیع استیعاب التحولات والإفادة القصوى من منجزات العصر والتقنیة الحدیثة، والوعي النقدي لا یتبلور وینمو في الفضاء الاجتماعي، إلا في إطار من الحریات السیاسیة والثقافیة، التي تفضي إلى خلق وقائع اجتماعیة تسمح بممارسة النقد وتحترم متطلباته
وتؤسس لمبادرات مجتمعة على قاعدة المشاركة وتحمل المسؤولیة. وإن تجذر متطلبات الوعي النقدي في فضائنا الاجتماعي، هو الذي یحررنا من یباسنا وجمودنا، وهو الذي یوفر لنا الإجابات المطلوبة على متغیرات واقعنا وراهننا، وهو الذي لا یجعل الهویة معقولة جامدة لا تحرك ساكنا، وإنما یحولها إلى وظیفة لطرد عناصر التأخر والتخلف وإمكانیة إنسانیة مفتوحة على الفعل والإبداع والوجود. فالمطلوب دائمًا، هو قراءة واعیة للتحولات، ویقظة دائمة تجاه الراهن، وإصرار مستدیم للقبض على آفاق هذه التحولات ومواجهة التحدیات بعزة واقتدار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى