مايسطرون
2020-05-01

الثقافة والحضور االجتماعي


من البديهي القول إن الثقافة تتطور نوعيا وكميا، حينما تمارس دورها الحضاري في استمرار مساءلة تاريخها وراهنها والفحص الدائم في السائد، حتى تطرد منه العناصر الميتة، وتضيف إليهحيوية جديدة وآفاقا غير مسبوقة، والمثقف ال يستأنف دوره إال حينما يحمل مشعل التقدم الحضاري لمجتمعه ووطنه وأمته، فيسائل واقعه باستمرار، ويحاكم أفكاره، وينقد ذاته ويبلور آفاق التقدم ومعالمه النظرية، ويشترك مع بقية فئات المجتمع في محاربة كل أسباب التخلف وعوامل االنحطاط في األمة وإن رهانات المثقف الحقيقية تتجسد في التزامه النظري والعملي بقضايا أمته الكبرى والمصيرية، أما االنزواء واالنعزال المرضي عن هذه القضايا، فإنه يدخل المثقف في متاهات الضياع ودهاليز التردد، والدخول في معارك ليست معاركه الحقيقية، وااللتصاق بخيارات تزيد من تهميشه التاريخي، وتنطوي على آفاق ومواقف تجعل المثقف على مستوى الممارسة، يقف في الخندق المقابل لخيار النهضة وبناء مواقع األمة الحضارية.
ولحظات الوعي تزداد اشتعاالت ونورا، كلما تواصل المثقف مع قضايا األمة، ومارس دوره الحضاري في إنتاج األفكار الحضارية، ورفع مستوى الوعي واإلدراك لدى المجتمع، والمشاركة في صناعة إنجازات األمة الكبرى، وصياغة اإلرادة العامة لألمة صوب التنمية والنهضة والتطور، وإن الظفر بمعركة الوعي مرهون بمدى قدرة المثقف، كنخبة، من القيام بأدواره التوعوية على أكمل وجه والثقافة طاقة خالقة في االجتماع اإلنساني ومدى حيوي ألولئك النفر الذين تتأجج نفوسهم بإرادة التفوق واجتراح المعجزة اإلنسانية فيها تبصر األمة النور، وبقيمها ومبادئها العليا وبوشائجها يتجمع أبناء األمة من أجل أن يكون لهم ما يجب أن يكون والمثقف مهمته الكبرى تتجسد في تشغيل وتوظيف هذه الطاقة في مشروعات البناء والنهضة كما أن الثقافة، على المستويين االجتماعي والحضاري، تعني البحث عن أطر ووسائل وكيفيات للتفاعل مع الطبيعة والمجتمع. لذلك فإن نواة الحضارة هي الثقافة، ألنها التي تصنع الوعي األفضل في تسخير واستثمار الطبيعة وخيراتها، كما أنها التي تصنع وقائع اجتماعية قائمة على قواعد حضارية تزيد من فعالية اإلنسان والجماعة، فال حضارة بال ثقافة تشحن الفضاء االجتماعي بقيم الكرامة والتنمية والبناء والثقافات تأخذ وتعطي تأخذ ما يتفق مع طبيعة البيان العقلي والفكري لألمة، وتعطي ما تجود به نوعيتها ونشاطها الفعال، وعلى امتداد التاريخ اإلنساني كانت الثقافة من العوامل األساسية لقيم النهضة والخروج من مآزق التهميش والتأخر والغياب الحضاري.
لهذا فإن إعادة االعتبار التام للثقافة ومسائلها الحيوية، تعد من الضرورات القصوى ألنه بدونها ال يتحقق أي شيء من تطلعات األمة ومطامحها الكبرى واإلحباطات واإلخفاقات العامة التي يعيشها واقعنا ينبغي أالّ لى اليأس والقنوط والغياب عن أية فعالية هادفة، وإنما على العكس من ذلك تدفعنا إتماما، إن إخفاقات الراهن، تحمل المثقف مسؤولية جديدة، هي مسؤولية الخروج من معادلة اإلحباط واالنخراط في شؤون الراهن وقضاياه، واالنطالق بممارسات نظرية نوعية واجتماعية تنسجم وأفق األهداف العامة للمجتمع واألمة، والثقافة هي سبيلنا إلى القوة الذاتية القادرة على مجابهة تيار التحوالت الكبرى التي تجري في العالم على مختلف الصعد والمستويات، وهي التي توفر لنا األسباب الذاتية لصياغة إرادة جمعية تتعاطى بفعالية وايجابية مع تحوالت العالم وتطوراته، وهي التي تنظم مساحة األولويات للمجتمع واألمة، بحيث تتجه الجهود والطاقات إلى األولى واألهم، وهواجس المستقبل تدفعنا في المجالين العربي واإلسالمي، إلى التوجه الجاد نحو الثقافة ومسائلها الحيوية، والبدء بمرحلة جديدة من العمل الثقافي الجاد الذي يتجه إلى قضايا األمة وآفاقها ومصائرها فال تقدم اجتماعي بدون ثقافة تدفع إلى ذلك وتوفر كل أسباب االنطالقة االجتماعية الجديدة ودور المثقف في هذا اإلطار هو إنتاج هذه الثقافة وتعميمها وتعميقها في المحيط االجتماعي فالثقافة هي حجر الزاوية في مشروع التقدم االجتماعي.
لذلك فإن التغيير يبدأ بالثقافة وهي أداته ووسيلته الكبرى. فالمجتمع الذي تسوده ثقافة جامدة راكدة المسؤولية ال يتقدم حتى لو كانت كل الظروف مواتية له. ألنه ال يمتلك القدرة على تحويل أفكاره إلى وقائع وطموحاته إلى حقائق وجعلها تتجمع وتتجه في أطر محدودة ومعالم واضحة فهذه القوة اإلنسانية والموضوعية هي جسر بناء مفهوم القوة الثقافية في األمة والقوة الثقافية هنا ال تعني جملة المظاهر االحتفالية وإنما هي بناء اإلنسان المثقف الواعي القادر على المساهمة في بناء وطنه وعزة أمته، والمدرك لموقعه التاريخي فال قوة ثقافة بال إنسان أو محيط مثقف فهو منبع التجليات الثقافية وصانع المظاهر االحتفالية وبدونه تبقى الثقافة وكأنها شيء مجرد ال شأن لها بمصير األمة ومستقبلها وعن هذا الطريق تتمكن األمة من مقاومة تهديدات الثقافات الوافدة ومواجهة األخطار المحدقة بثقافتها وقيمها وذلك ألن هذه العناصر تصنع ظروفا ومحيطا يتجه إلى الفعل واإلبداع وصناعة البديل، بل الصراخ والضجيج والعويل فالصراخ ال يمنع تسرب عناصر الثقافات الوافدة إلى جسم األمة وحده بناء الوجود الثقافي الذاتي الفاعل والمبدع هو خيار األمة االستراتيجي لمواجهات تحديات العصر الثقافية.
وستبقى الخطوة األولى لضمان المستقبل الثقافي ألمتنا العربية واإلسالمية هي توطيد أواصر الفعل الثقافي مع حاجات العصر ومتطلباته. فكلما كانت الثقافة في سياق اجتماعي متحرك وفاعل كلما كانت ناصية المستقبل في متناول ذلك المجتمع. فآفاق المستقبل الثقافي للمجال العربي واإلسالمي عديدة ومتنوعة ولكنها تحتاج منا إلى إعادة االعتبار للثقافة ودورها في التقدم والتنمية فالثقافة ليست عمال خاصا بفئة أو نخبة وإنما هي عملية تشترك جميع فئات المجتمع في ممارساتها وتطويرها واغنائها بالمضامين الجديدة ووحدها الثقافة المبدعة والمنتجة هي القادرة على تأسيس المحيط .االجتماعي الذي يحتضن آفاق المستقبل الثقافي ويحولها إلى حقائق ووقائع ثابتة في المجتمع واألمة ولكي تتمكن الثقافة عبر وسائطها المتعددة، من تحقيق حضورها وتأثيرها في الفضاء االجتماعي.
هي بحاجة أن تقترب من األسئلة والمشكالت الحيوية، التي تبحث عن حلول ومعالجات رصينة وموضوعية.
فكلما اقتربت الثقافة كممارسة فردية وجماعية من أسئلة الحرية والتعددية والوحدة وحقوق اإلنسان واإلصالح والتسامح واالعتراف باآلخر رأيا ووجودا، أضحت أكثر حيوية وتأثيرا في الفضاء االجتماعي ..أما إذا انزوت الثقافة، وتعالى المثقف عن شؤون وشجون مجتمعه، فإن كل األفكار .. المتداولة، تصبح محصورة في رقعة اجتماعية محدودة وذات تأثير بسيط من هنا فإننا نعتقد أن حجر الزاوية في مشروع حضور الثقافة االجتماعي، على مستوى االهتمام والتأثير، تبدأ حينما تقترب العملية الثقافية بكل وسائطها واليات عملها من أسئلة المجتمع الحيوية
والملحة في آن.. وإن المهمة الثقافية األساس على هذا الصعيد، ليس تقديم إجابات نهائية حول األسئلة الملحة، وإنما تعميق هذه األسئلة، وإدارة حوارات فكرية عميقة لكل القضايا واإلشكاليات المتداولة في الفضاء االجتماعي والثقافي، من أجل إنضاج رؤى وخيارات ثقافية جديدة للمجتمع والوطن كله. فالمطلوب اليوم ليس االنزواء واالنكفاء عن القضايا الثقافية الملحة، وإنما التعامل والتفاعل معها، والكتابة المتواصلة حولها، واالنخراط في مشروعات تعميم الوعي والمعرفة بها لكل الشرائح والفئات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى