مايسطرون
2018-09-04

كيف نجيب على أسئلة الأطفال


الأطفال بما يصدر منهم من أقوال وأفعال تكون في قمة السذاجة والبلادة أحيانا، كما تكون في قمة الذكاء والعبقرية أحيانا أخرى،يعتبرون من عجائب خلق الله، ومن دلائل قدرته وإعجازه سبحانه وتعالى.

فمن عجب أننا نرى الأطفال ــ وبحكم صغر عقولهم، وقلة وعيهم، ونقص إدراكهم ــ تصدر منهم في بعض الأحيان بعض التصرفات أو الأقوال التي تكون بسيطة وساذجة إلى أبعد الحدود، ولكن في المقابل نرى منهم أفعالا وأقوالا تنمّ عن عبقرية فذة وذكاء كبير، بل هي تكاد لا تصدر إلا عن عمالقة الفلاسفة وأكابر العلماء والمفكرين!

ومن ذلك مثلا تلك الأسئلة المحرجة جدا أو الصعبة جدا التي يطرحونها علينا فتشعرنا بالخجل تارة وبالعجز تارة أخرى!

📃دوافع أسئلة الأطفال:

والواقع إن ما يمطرنا به أطفالنا من أسئلة معقدة عن الأشياء وعللها وكيفية تكونها…إنما هو نابع من أعماق فطرتهم التي فطرهم الله عليها، إذ أن الله سبحانه وتعالى فطر الإنسان على حب الاستطلاع، والتعرف على كل ما هو مجهول بالنسبة إليه.

وغريزة حب الاستطلاع من الغرائز التي توجد لدى الإنسان وتمارس عملها وهو في سن الطفولة المبكرة جدا بل وهو ما يزال رضيعا مقمطا في مهده.

وهذا ما أثبته علم النفس الذي ينصّ على أن (هذا الدافع إلى الاستطلاع يبدو لدى الطفل الرضيع حتى قبل أن يستطيع المشي، فهو يستطلع بعينيه وأذنيه ويديه وفمه…فإنعام النظر في الأشياء، وتسمع الأصوات الجديدة، والقبض على الأشياء ووضعها في الفم… كل هذه أنواع بسيطة من الاستطلاع… فإذا ما استطاع المشي واتسع عالمه اهتدت يداه إلى كل ما يستطيع تناوله، فإذا به يفكك ما يعثر عليه من أدوات ليرى مم تتكون، ويشد ذيل القط ليرى ماذا يصنع، ويكسر المرآة ليرى ما بداخلها…فالاستطلاع يقترن بمعالجة الأشياء في لعب الأطفال بالدمى

كما يبدو هذا الميل إلى الاستطلاع والمعرفة لديه في تلك الأسئلة اللانهائية التي يرشق بها والديه ومن يحيطون به عن أسباب الأشياء والحوادث وأسمائها وفائدتها وأصلها وكيفية حدوثها…من هذه الأسئلة ما يدور حول أمور جنسية أو أمور غيبية تسبب لوالديه كثيرا من الحيرة والحرج… من أين تأتي الأطفال؟ لماذا يسير القمر معنا إذا سرنا؟ السنة الماضية أين ذهبت؟ لماذا يذوب السكر في الماء ولا تذوب الملعقة؟)1

إذن الدافع لتلك الأسئلة التي يمطرنا بها أطفالنا هو امتلاكهم لغريزة حب الاستطلاع، هذه الغريزة التي تعتبر من أعظم النعم الإلهية على البشرية جمعاء، إذ بسبب امتلاك الإنسان لها سعى نحو اكتساب العلم والمعرفة، ومحاولة اكتشاف المجهول، والتعرف على كل ما هو غائب عنه، إلى أن حدثت هذه الطفرة العلمية العجيبة في الحياة.

فمرحلة استكشاف الأشياء ومحاولة التعرف عليها تبدأ عند الأطفال وهم في مهدهم، ولعجزهم في تلك المرحلة عن السؤال والاستفسار المباشر، تراهم يحاولون الاعتماد على أنفسهم من خلال إمعان النظر في الأشياء، والتأمل فيها، ومداعبتها بأيديهم، وقضمها بأفواههم… ثم تنمو عندهم غريزة حب الاستطلاع، والتعرف على الأشياء ومكوناتها وأسبابها وما يمكن أن ينتج عنها…وهي ـ غريزة حب الاستطلاع ـ تمر بمراحل متعددة، تبدأ معه وهو في الثانية إلى أن يصل الخامسة من عمره.

ثم تتطور وهو ما بين الخامسة إلى الثامنة، وتزداد تطورا وهو ما بين الثامنة والثانية عشر، وفي وسط الثانية أو على أعتاب نهاية الخامسة من عمر الطفل تكثر أسئلته الإلحاحية، إذ تقوى عنده غريزة حب الاستطلاع، ومحاولة التعرف على المجهول بكل أشكاله وألوانه، فيكون في قمة تعطشه للمعرفة بكل فنونها.

وإضافة إلى هذه الغريزة، فهناك أسباب أخرى تدفع الطفل إلى طرح الأسئلة والاستفسارات، كالخوف مثلا.

فقد يسأل الطفل عن بعض الأشياء بدافع الخوف منها، ومحاولة التعرف على كيفية مواجهتها، والتعامل معها حين يمرّ في موقف من مواقفها، كما قد يسأل للفت نظر الآخرين إليه، ليريهم إنه بدأ يفهم، ويسأل، ويناقش، ويشكل على الجواب ،ويستمتع بالحوار والنقاش، بل أحيانا يكون سؤاله بدافع التحدي وإثبات الذات…وإلى ما هنالك من أسباب.

📃وجوب الاهتمام بأسئلة الأطفال:

والواقع إن بعض هذه الأسئلة أحيانا بالفعل تكون كبيرة وكبيرة جدا، وهي من العمق والدقة بدرجة أنها تشعرنا بالعجز عن الإجابة عليها، إما لأننا فعلا نجهل الجواب، أو لأننا نعرفه ولكن لا نعرف كيف نبسطه ونشرحه بما يناسب تلك العقول الصغيرة.

وقد رأينا أن الأسباب التي تدفعهم إلى هذه الأسئلة وجيهة جدا، مما يحتم علينا أن نأخذها بعين الاعتبار، ونوليها كل العناية والاهتمام.

فمن الخطأ الفادح منع الطفل عن السؤال، وزجره عن الاستفسار، لأن هذا من شأنه أن يقضي على غريزة حب الاستطلاع لديه، فيصاب بالبلادة والخمول في الفكر، كما أن سؤاله قد يكون عن أشياء تخيفه ويريد التخلص منها، وحينها سيكون منعه جريمة في حقه، لأنه سيظل أسير تلك المخاوف من تلك الأشياء التي حرّمنا عليه أن يستفسر عنها، وربما أصيب بانفصام في شخصيته، وقد يصل الأمر إلى حد الإصابة بالعقد النفسية، والأمراض العصبية…وكل هذا سيولد لديه نقمة على من سألهم فزجروه، واستفسر منهم فمنعوه، إذ أنه سيعتبرهم السبب المباشر في ما وصل إليه من حالة معقدة.

بل قد يصل به الأمر إلى حد النقمة الاجتماعية الشاملة، فيحقد على المجتمع بأكمله، ويضمر له العداوة والبغضاء، وربما حاول القيام ببعض الأعمال المضرة بنفسه والمجتمع على حد سواء، ولو من باب الانتقام.

وكما أنه لا يصح منع الطفل عن السؤال، أيضا من المهم جدا أن لا نعطيه إجابة خاطئة، لأنه متى اكتشف ذلك الخطأ مستقبلا شعر بالحقارة في نفسه، واعتقد أن الآخرين يسخرون منه، ويضحكون عليه، أو دفعه ذلك إلى أن يسخر هو ممن أجابه، ونظر إليه نظرة استصغار وازدراء، واتهمه بعدم الفهم والمعرفة.

الخلاصة: إنه من المهم جدا أن نهتم بأسئلة أطفالنا ولا نتجاهلها، لا بمنعهم عن السؤال، ولا بإعطائهم الإجابة الخاطئة، لأن كلا الأمرين من الأساليب التربوية الخاطئة، وله عواقبه السيئة الخطرة، كما من المهم أيضا أن تكون الإجابة موافقة لعمره، مناسبة لوعيه وإدراكه، مفهومة لديه، لا أن تزيد الأمر غموضا عنده، وصعوبة عليه.

📃كيفية التعامل مع أسئلة الأطفال:

أحيانا السؤال الواحد يصدر من ابن ثلاث سنوات كما يصدر من ابن ثمان أو عشر سنوات، وقطعا لا يصح أن تكون الإجابة واحدة للاثنين، بل يجب أن نراعي تقدم العمر، والتطور النسبي في الوعي والفكر والعقل، فنعطي ابن الثلاث سنوات ما يناسبه، وابن العاشرة ما يناسبه من جواب.

ولكن يجب أن تمتاز أجوبتنا بالصحة والوضوح المساعد على الفهم والاستيعاب، وفي حال رأينا أنفسنا عاجزين عن تقديم الإجابة الصحيحة والواضحة والمناسبة لعمر الطفل ووعيه وإدراكه، فمن الخطأ الفادح الجسيم أن نعطيه أي جواب بقصد إسكاته أو ما شابه ذلك، لما في هذا من محذورات كبيرة، وآثار سلبية أشرنا إلى بعضها إجمالا.

والصحيح هو أن نطلب من الطفل أن يمهلنا بعض الوقت لنبحث له عن الجواب، إذ ليس من الضرورة أن نجيب أطفالنا مباشرة على كل سؤال يسألونه، خصوصا حين يكونون في عمر متقدم نسبيا، ففي مثل هذه الحالة يمكننا أن نصارحهم بأننا الآن نجهل الجواب، أو أنه غائب عن أذهاننا، ونعدهم أننا سنهتم بالأمر، ونبحث عن الجواب الصحيح، وسنجيبهم في وقت آخر.

فهذا من شأنه أن يعزز ثقة الأطفال بنا، ويؤكد لهم أننا نهتم بهم وبأسئلتهم، وأننا لا نريد أن نسكتهم بإعطائهم أي جواب، بل نحرص على إعطائهم الجواب الصحيح.

وفي هذه المهلة يمكننا أن نبحث عن أفضل الأجوبة وأسهلها، وأكثرها وضوحا وإقناعا لنقدمها إليهم، سواء كانت أجوبة مغلقة أو مفتوحة.

وكما نحذر من إعطاء الأجوبة الخاطئة، كذلك نؤكد على ضرورة أن يكون جوابنا عن بعض الأسئلة مغلقا، لأن الجواب المفتوح من شأنه أن يجر الطفل إلى أسئلة أخرى تكون أصعب وأعقد مما كان قبله، أما الجواب الواضح المقفل فإنه يقنع الطفل من جهة، ويسد عليه الطريق من جهة أخرى.

ومع تأكيدنا على ضرورة الأجوبة المغلقة، إلا أنه لا بد من الالتفات إلى أنه لا يصح أن تكون أجوبتنا دائما كذلك، بل قد نحتاج أحيانا إلى الجواب المفتوح، ليساعدنا ذلك على تنمية قدرات الطفل وتوسيع مداركه، ويدربه على الحوار والنقاش، خصوصا في حال رأيناه يملك من الوعي والفهم الذكاء والفطنة ما يعينه على ذلك.

لكن يجب أن يكون ذلك بطريقة مدروسة وتدريجية، نراعي فيها تطور الوعي النسبي لدى الأطفال، فنقدم لهم زادا يناسب ذلك التقدم ..

📃أهمية الأمثلة التوضيحية في أجوبة أسئلة الأطفال:

من المهم جدا أن نقدم للطفل أمثلة توضيحية ملموسة ومعروفة لديه، ليعينه ذلك على فهم الجواب، وقد نحتاج في بعض الأحيان إلى أن نطرح على الطفل سؤالا قبل أن نجيب سؤاله، فيكون سؤالنا هو الجواب له، مثلا حين يسألنا الطفل: هل الله مثلنا؟

وهنا نستطيع أن نسأله: هل تستطيع أنت أو أنا أن نخلق إنسانا؟

قطعا هو سيجيب بالنفي لوضوح هذا الأمر إليه، حينها يمكننا أن نجيبه ونقول: إذن الله ليس مثلنا، لأنه هو يستطيع أن يخلق إنسانا ونحن لا نستطيع.

وبهذا تكون الإجابة واضحة وكافية وشافية، والمساعد في كل ذلك هو سؤالنا الذي طرحناه عليه.

كذلك حين يسأل ابن ثلاث سنوات أمه: من أين جئت إلى الدنيا؟ هنا يكفيها أن تقول له: لقد جئت من بطني.

وفي الأعم الأغلب يكون هذا الجواب كافيا لمن هو في مثل ذلك العمر، لأن كل ما يهمه هو أن يعرف من أين جاء، وقد عرف ذلك، ولكن إذا كان الطفل في السابعة أو الثامنة، فقد لا يقنع بهذه الإجابة المجردة، وفي مثل هذه الحالة يمكننا أن نقدم له مثالا توضيحيا معروفا عنده من جهة، ويساعدنا على إقناعه من جهة أخرى، فنقول له: أنت خرجت من بطن أمك، تماما كما خرجت البيضة من الدجاجة.

فهذا المثل الملموس المحسوس أو ما يشابهه من أمثلة، من شأنه أن يزيل استغرابه بأن يخرج من بطن أمه، ويجعله أو يساعده على الاقتناع، كما إنه أيضا جواب مقفل، لا يفتح بابا لأسئلة أخرى متعلقة بهذا الموضوع قد تكون محرجة.

كذلك حينا يسألنا: لماذا لا نرى الله؟

فإن قلنا له: لأن الله لا يرى.

فهذا جواب مفتوح وغير واضح، مما يجعل الطفل يعود ليسأل: ولماذا الله لا يرى؟

وإن أعطيناه جوابا على شبيها بالجواب الأول فقلنا: لأنه ليس كل ما هو موجود يُرى.

سيجره ذلك إلى سؤال آخر فيقول: وكيف يكون الشيء موجودا ولا يمكن أن نراه؟

وهكذا تطول بنا السلسلة، وربما عجزنا عن إجابة بعض الأسئلة، أو تبسيطها له بما يناسب عمره، ولكن لو أننا قدمنا للجواب بمثل توضيحي فسألنا ذلك الطفل: ماذا يوجد في الكرة المنفوخة؟

حينها سيجيبنا: الهواء.

وهنا سنعود لنسأله: ولو قمنا الآن بتمزيق الكرة، فهل سنرى الهواء الذي بداخلها؟

وقطعا سيجيبنا الطفل بالنفي، لمروره بهذه التجربة العملية عدة مرات، إذ طالما قام هو بتمزيق الكرة، أو قام آخرون بتمزيقها أمامه، فلم ير فيها ذلك الهواء رغم وجوده.

حينها وعلى ضوء هذا المثال الواضح نستطيع أن نقول له: وكما أن الهواء لا يُرى كذلك الله لا يُرى.

وبهذا نكون أعطيناه جوابا واضحا ومقنعا في وقت واحد.

من الأمثلة التوضيحية العملية التي مررت بها، أن قال لي ولدي عقيل وهو ابن اثني عشر سنة تقريبا: ستقوم القيامة، أو سيخرج الإمام المهدي في أسرع وقت، لأنني سمعت أن من علامات ذلك تطاول البنيان، والآن نحن نرى العمارات الرفيعة جدا.

فقلت له: لو قلت لك يا عقيل: إننا سنذهب إلى الدمام ولكن بأربعة شروط وهي:

1/ أن يكون عندنا مال للبنزين والطعام والشراب والسكن.

2/ أن تكون لدينا سيارة للذهاب والإياب.

3/ أن لا يكون فينا مريض لا نستطيع تركه هنا وحده، ولا نتمكن من أخذه معن لمرضه.

4/ أن تكون بلدنا آمنة، ولا يوجد فيها حرامية قد يسرقون المنزل حين نذهب.

ثم تحققت ثلاثة أمور، هي: الصحة والمال وعدم وجود ألحرامي، لكننا لا توجد لدينا سيارة، فهل سنذهب إلى الدمام؟

أجابني: لا. لن نذهب.

عدت وسألته: ولماذا؟

أجاب: لأنه بقي شرط آخر وهو السيارة.

حينها قلت له: وكذلك الحال هنا، فحتى لو فرضنا أن من علامات قيام القيامة أو قرب خروج الإمام المهدي تطاول البناء، فهذا لا يكفي، لأنه بقيت شروط أخرى لم تتحقق بعد.

ثم قلت له: يمكن أن أشتري سيارة بعد شهر فتكتمل الشروط، فنذهب إلى الدمام

حينها قال هو بالنص: ويمكن ما تشتري إلا بعد ثلاث سنوات.

فقلت له متبسما: وكذلك بقية العلامات المتعلقة بيوم القيامة أو خروج الإمام المهدي يمكن أن تتحقق قريبا، ويمكن أن لا تتحقق إلا بعد زمن طويل جدا.

فاقتنع تماما بالجواب، لكنه بسبب ما يسمع من البعض من أن الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف إذا خرج سيقتل الكثيرين، وسيطهر الأرض من المجرمين، سألني شبه المتخوف: ماذا سيفعل بنا الإمام المهدي إذا خرج؟

ولعلمي بمنشأ السؤال وسببه، ضربت له هذا المثال فقلت: افرض إنني سافرت وعمرك سنة واحدة، وأنت لم ترني إلى الآن، ثم قالت لك أمك: أبوك سيعود بعد أسبوع من سفره، كيف سيكون شعورك حينها ولماذا؟

أجابني: سأكون فرحا مسرورا، لأنني سأرى أبي بعد طول غيابه، وكذلك سيحقق لي كل ما أريد بعد عودته.

حينها قلت له: والإمام المهدي رحمة للبشرية، كما أننا نحبه ونتولاه، وهو يحبنا أيضا حبا كبيرا، وتأكد يا ولدي أن الإمام المهدي يحبك أكثر من حبي لك، فكما فرحت لأنك ستراني لأنك تحبني، وتريدني أحقق لك كل شيء، فكذلك المفروض أن تفرح إذا سمعت بقرب خروج الإمام المهدي، لأنك تحبه ويحبك، وهو الذي سيحقق لك كل شيء.

وحين سمع مني هذا الكلام قام وهو مقتنع كل الاقتناع، كل ذلك لأنني لم أحاول أن أجيب أسئلته من منطلق عقائدي ولا بتفلسف ليس هناك ما يدعو إليه، وقد يكون فوق مستوى وعيه وإداركه، أو ربما لا يقنعه كل الإقناع.

ومن هنا فإننا نؤكد على أنه لا يصح أن نحصر أنفسنا دائما في دائرة السؤال، فهذا من شأنه أن يعقد الأمر ويصعّبه علينا، لأننا إذا بقينا داخل الدائرة، فلن نستطيع أن نرى ما هو خارجها، ولذا من المهم أن نخرج من تلك الدائرة، لنكون نحن المحيطين بها بدل أن تحيط بنا، وحينها ستكون رؤيتنا أوسع وأشمل، فيعيننا ذلك على الجواب.

الذي أعنيه بهذا الكلام هو: سواء كان السؤال فكريا أو عقائديا أو في أي مجال آخر، فلا يصح أن أحصر نفسي أثناء الجواب في نطاقه، حتى لا أرى نفسي مضطرا إلى إعطاء الجواب العقائدي أو الفكري الذي ربما أنا لا أفهمه، أو أفهمه لكنني غير قادر على شرحه وتوضيحه بما يناسب عقلية الطفل ووعيه وإدراكه، ولذا من المهم أن أخرج من تلك الدائرة الضيقة إلى دائرة أوسع، فأجيب السؤال بأمثلة توضيحية عامة ومفهومة كل الفهم.

ولو عدنا إلى ما جاء في هذا المقال من أمثلة عن بعض الأسئلة وكيفية إجابتها، لرأينا فيها ما يوضح هذا المعنى، ومن ذلك مثلا أجوبتي لولدي عقيل عن علامات يوم القيامة، فالسؤال ــ كما لاحظنا ــ كان عقائديا وعميقا، والجواب العقائدي له، أو محاولة الاستشهاد بما جاء في ذلك من نصوص إسمية متعلقة بتلك العلامات، ومحاولة شرحها، والاستدلال بها…كل ذلك قد يكون فوق إدراك عقيل، أو غير مقنع له، لكنني حين خرجت من تلك الدائرة لأضرب له مثالا عاما ومفهوما له، هو الذهاب إلى الدمام وفق شروط معينة، أصبح الأمر سهلا جدا في فهمه واستيعابه والاقتناع به على حد سواء.

كذلك الحال حين سأل عن الإمام المهدي وما سيقوم به من قتل للظالمين، فقد كان يسأل متخوفا، خشية أن يكون هو من أولئك الظالمين الذين سيقتلهم الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف، ومن الصعب جدا أن أرفع هذا الخوف، أو أقنعه بأنه ليس ظالما، لكنني حين ضربت له مثالا بغيابي عنه وعودتي إليه، أقنعه ذلك المثال من جهة، وأذهب خوفه من جهة، لأن هذا المثال صحح مسار تفكيره، وغيّر نظرته للقضية المهدوية تماما، فجعله ينظر إلى الإمام المهدي كأب رءوف رحيم شفيق، بعد أن كان ينظر إليه كمنتقم من الظالمين الذين قد يكون هو أحدهم.

أيضا مثال الهواء وعدم رؤيته بالنسبة لمن يسأل عن الله وعدم رؤيته سبحانه وتعالى…وهكذا الحال في سائر القضايا أو أكثرها على أقل تقدير، فكل سؤال يطرحه أطفالنا علينا، لابد أن نحاول أن تجيبيه بأمثلة عامة وبسيطة وواضحة، ثم نقوم بربط ذلك المثال بالسؤال، وحينها سترى كيف يتم حل الكثير من الأمور المعقدة كل التعقيد بكل يسر وسهولة، وذلك أن إتباعنا لمثل هذا المنهج يريحنا من عناء البحث عن الجواب العقائدي أو الفكري وكيفية توضيحه من جهة، ويساعدنا على توصيل الفكرة بوضوح إلى الطفل، مما يساعده على الفهم والاقتناع من جهة أخرى.

———————-

1/ أصول علم النفس للدكتور أحمد عزت راجح ص83ــ84

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى