مايسطرون
2018-04-22

علاقة النظر والنظارة بتفكير الشخص


بسم الله الرحمن الرحيم – … «178» وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ «179» … – صدق الله العلي العظيم – الأعراف.

في الصف الثالث الثانوي (عام 1984) اضطررت للبس نظارة لكي أرى السبورة، وحينها لم تكن عندي مشكلة لقراءة الكتاب؛ أرى القريب بوضوح ولا أرى البعيد. في عام 1990 سويت عملية تشطيب للتخلص من النظارة. في عام 2006 اضطررت للرجوع للنظارة لرؤية القريب بدون مشكلة مع البعيد، وذلك على عكس النظارة التي كنت أحتاجها في المرحلة الثانوية. هكذا هي دورة الحياة؛ شابا، يرى الشخص القريب ولا يرى البعيد، وهذا انعكاس لقصر نظره وأيضا محدودية تفكيره إذ يكون متقوقعا حول جماعته ويرى تفاصيلهم ولكنه لا يرى نفسه من بعيد ولا يرى الآخرين من قريب. عندما يكبر الإنسان، تتغير نظرته للحياة ويرى البعيد بوضوح ولكنه لا يرى القريب لأن أفاقه قد توسعت وخبرته تراكمت ونظرته للحياة قد تغيرت.

في حال خلل النظر، هناك عدسات تصحّح هذا الخلل سواء كان قِصَرا أو طولا، ولكن هناك من يلبس النظارة الخاطئة فلا يرى بوضوح، وهذا يعتمد على طبيعة العين أو الاحترافي الذي يتعامل معه بخصوص هذه القضية. النظرة للحياة مثل الحاجة للبس النظارة، فهناك المحترف الحصيف الذي يعطيك النظارة المناسبة لتنظر للدنيا بعقلانية وتَزِنُها بموضوعية، وفي الغالب هذا المحترف مخلص في عمله ويريد أن ينفعك ولا يضرك لأنه صاحب ذمة وضمير. في الطرف الآخر، هناك من يصف النظارة الحياتية للفرد ولكنها غير ملائمة ويرجع ذلك إلى أمرين؛ إما أن يكون هذا الطرف لا يعرف شيئا ويوهمك أنه يعرف وأنت تصدقه عاطفيا لا عقليا، أو أنه يعرف ولكنه لا يريدك أن ترى بوضوح لأنّ من مصلحته أنْ تكون اعتماديا عليه لكي يقودك لأماكن واقعا أنت لا تراها ولا تستطيع حتى تَلَمُّسَها ويقوم هو بسرد الحياة كما يراها (أو كما يريد لك أن تراها ولكن من وجهة نظره فقط) لا كما هي عليه، وأنت مضطر أن تصدقه لأنك لا تراها على حقيقتها.

اعلم أيها القارئ الكريم أنّ نظارة واحدة يلبسها الإنسان منذ ولادته إلى مماته لا تفي بالغرض؛ سواء كانت لتصحيح النظر أو لتدبر أمور الحياة. وليس فقط ذلك، في كثير من الأحيان، المرء بحاجة لأن يبدل نظاراته كما يبدل المصور عدساته وذلك اعتمادا على احتياجات الصورة التي يلتقطها. بل وفي كثير من المواضع وفي حال الترقي، المتمرس بحاجة لما هو أبعد من ذلك إذ يكون بحاجة إلى مجاهر مُكبِّرة ليرى تفاصيل ودقائق لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة، بينما يحتاج متخصص آخر لأجهزة أخرى لرؤية الأجرام السماوية البعيدة، بل في بعض الأحيان، يخترع المختصون نظارات مختلفة ترى ما لا تراه العين (مثل الأشعة السينية الكونية) أو آذان متخصصة لسماع الموجات التي لا تلتقطها الأذن البشرية. وهكذا هي الحياة، وفي ذلك يقول البارئ عز وجل في سورة الزمر: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ «9» – صدق الله العلي العظيم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى