مايسطرون
2018-03-18

الضياع في الترجمة


بسم الله الرحمن الرحيم، الٓر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ «1» إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ «2» نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ «3» … – صدق الله العلي العظيم – يوسف.

تخيّل أنك تكلم أعجميا ببعض المصطلحات الدارجة مثل “في الصيف ضيعت اللبن”. لو ترجمها الأعجمي حرفيا وإن كان يجيد للغة العربية فإنه سيتيه لأن عليه أن يفهم القصة التراثية قبل أن يفهم مضمون هذا المثل. وكذلك بعض المفردات مثل “حوقلة” التي سيجد ليس فقط صعوبة في نطقها بسبب وجود حرفي الحاء والقاف بل سيجد أيضا صعوبة في فهمها إن لم يعرف أنها تعني “لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم”.

الترجمة من أصعب الأمور وتأخذ وقتا طويلا ومضنيا. لقد حاولت كتابة الملحمة الحسينية في كتاب باللغة الإنگليزية ووجدت صعوبة بالغة في محاولة ترجمة بعض الأشعار ليس بسبب معانيها ولكن بسبب مفاهيمها؛ مثلا، في “أأترك ملك الرّي والرّي منيتي”، كيف نترجم معنى “الري”؟ هل نترجمها بمعناها العربي الحرفي (irrigation) أو بأنها أرض خصبة كان يطمع فيها عمر بن سعد، وعليك بعد ذلك أن تشرح ما هي الري وأين تقع، …الخ. ليس فقط ذلك، وبما أنني أنقل مفاهيم جديدة لثقافة مختلفة تماما وبما أنني غريب على اللغة والثقافة الإنگليزية ومهما أجدتها فإن تعبيراتي قد تأتي مُربِكة أو مضحكة للمتلقي الأجنبي، استعنت بابني مجتبى في صياغة الجمل بطريقة لا تخل بالمعاني كيلا تعطي انطباعات مختلفة للقارئ.

لقد أهدتني زوجي كتابا مترجما لفيلسوف علم القرن العشرين كارل پوپر (Sir Karl Raimund Popper) ووجدت صعوبة بالغة في فهم الكتاب لأن ترجمته كانت غريبة وجافة وصعبة على الفهم، فعجزت عن إتمامه واضطررت أن أشتري الكتاب باللغة الإنگليزية.

تتميز اللغتان العربية والإنگليزية بتزاحم المعاني حول مفردة واحدة (overloading) بعضها قد يفهم من القرائن وبعضها مجازٍ وبعضها يعتمد على ثقافة الشعب المتحدث بتلك اللغة؛ مثلا، كلمة “عين” تعني أشياء متعددة في اللغة العربية، ومثال ذلك في هذا البيت من الشعر فمعنى عين مجازٍ لأن العين مجرد عضو للرؤية فكيف بها ترضى أو تسخط وهي لا عقل لها؟ وعينُ الرِّضا عن كلَّ عيبٍ كليلة ٌ *** وَلَكِنَّ عَينَ السُّخْطِ تُبْدي المَسَاوِيَا. عندما نتحدث عن علم النفس في اللغة العربية، نحن لا نميز بين شقين في هذا العلم. هناك علم النفس (يصطلح عليه الفرويدي) الذي يتعلق بالمشاعر والآلام النفسية والذي يطلق عليه مصطلح psychology. وهناك أيضا علم النفس الذي يعتمد على كيمياء الدماغ وإفرازات الغدد الفسيولوجية ويطلق عليه اصطلاحا psychiatry، وهو علم موضوعي يستطيع أن يحدد سبب العلة الحيوية ويستطيع معالجتها من خلال أدوية. علم النفس الفرويدي يكون تقديريا (subjective) بينما علم النفس الفسيولوجي موضوعيا (objective) لأنه يعتمد كثيرا على الأشعة المقطعية للدماغ وقياس كميات الهرمونات في الجسم من خلال العينات الدموية.

واقعا، أنا أكبر كثيرا القراء العرب الذين يقرؤون الكتب المترجمة وأشيد بجهودهم العظيمة والحثيثة والتي لا يمكن نكرانها ولكنهم غالبا يقعون تحت رحمة المترجم الذي ربما يخطئ أو ينقل المعاني بصورة مختلفة عن مقاصدها، ولقد رأيت هذا الشيء متكررا من خلال الكتب والمقالات بالإضافة إلى ترجمة الوثائق والأفلام المرئية حيث ترجم مرة أحدهم (I will nail you on the wall) إلى “سأسمرك في الجدار”، ولكن معناها الحقيقي المقارب للعربية هو “سأجعلك عبرة لمن لا يعتبر”.

ورأيت أنه ومن خلال فروقات الترجمة والثقافة، يقع المعتمدون على الترجمة في مفاهيم مختلفة تماما عن مقاصدها الأساسية ومنها يحكمون، وبسبب ذلك يصعب التواصل بين القارئين باللغتين، وعلى الاثنين منهما تفهم ظروف الآخر، وعلى القارئ العربي (وهذا ليس استنقاصا من قيمته أو استخفافا لقدره) أن يستمع قليلا لمن يقرأ العلوم بلغتها الأم.

جعلنا الله وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وعلينا الإكثار من التواصل والتفاهم وإزالة اللبس الذي يقع فيه الأطراف المختلفة، وعلى كل منا أن يحمل أخاه على سبعين محمل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى